في خضم جولات مفاوضات معقدة ومستمرة، برز "مجلس السلام لإدارة غزة" كواحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في أروقة السياسة الدولية، هذا المجلس، الذي يستمد شرعيته من قرارات مجلس الأمن الصادرة في نوفمبر الماضي، يُطرح اليوم كترتيب انتقالي لإدارة الشأن المدني، لكنه في الوقت ذاته يضع الهوية الوطنية والسيادة الفلسطينية على المحك.
وفي حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، قدم محمد أبو قمر، المحلل السياسي الفلسطيني، قراءة عميقة لهذا الجسم المستحدث، محذراً من تحوله من "مرحلة انتقالية" إلى "وصاية دائمة".
الطبيعة القانونية
حيث يوضح في حديثه لـ"180 تحقيقات" أبو قمر أن "مجلس السلام" لم يأتِ كخيار فلسطيني مفضل، بل هو "مخرج اضطراري" جاء نتيجة لتعثر مسارات المفاوضات الطويلة، ومحاولة من الفصائل الفلسطينية للوصول إلى أي صيغة تضمن وقف نزيف الدم ومجازر الإبادة الجماعية.
وقانونياً، يستند المجلس إلى غطاء دولي بعد التصويت عليه في مجلس الأمن، مما يعطيه صبغة "الشرعية الدولية". ومع ذلك، يرى أبو قمر أن التخوف الفلسطيني من كونه شكلاً من أشكال الوصاية هو تخوف مشروع ومبرر، ويؤكد أن الحكم النهائي على هذا المجلس مرهون بممارسته على الأرض: "نحن نذهب لمرحلة انتقالية مدتها سنتان كما حدد القرار، وهذا قد يكون جيداً إذا التزم بسقفه الزمني، أما إذا تحول إلى إدارة كاملة ومفتوحة، فنحن أمام وصاية دولية صريحة".

التحول الأمريكي: من "التهجير" إلى "الإدارة الدولية"
ويعتقد أبو قمر أن إعلان هذا المجلس يعكس تحولاً اضطرارياً في الموقف الأمريكي والإسرائيلي، فبعد أن كان الطرح الأساسي يذهب باتجاه "التهجير الكامل" وتفريغ غزة من مواطنيها، اصطدمت هذه المخططات بصمود أسطوري للشعب الفلسطيني وموقف إقليمي حازم، تقوده مصر برفضها القاطع لفكرة التهجير، لذا، جاء "مجلس السلام" كحل بديل يضمن بقاء المواطنين مع فرض "إدارة دولية" عليهم.
ويشير أبو قمر إلى أن نجاح هذا المشروع كأداة لإغاثة الشعب الفلسطيني مرهون بكونه مرحلة مؤقتة، وإلا فإنه سيتحول إلى "مطمع سياسي" لأطراف دولية تسعى للهيمنة على المنطقة من بوابة غزة.
موقف الفصائل
وعن موقف حركة الجهاد الإسلامي والفصائل الفلسطينية، يرى أبو قمر أن الرفض هو الموقف الطبيعي والمنطقي؛ وذلك لمنع منح هذا الجسم شرعية تمكنه من الاستمرار لسنوات طويلة.
ويشدد على أن الأولوية يجب أن تكون لتمكين حكومة فلسطينية كاملة من إدارة شؤون غزة دون تدخل دولي، وأن يبقى دور المجلس محصوراً في "الإعمار والإغاثة" ضمن سقف السنتين فقط.
الضفة والقدس.. استكمال لمسلسل الإبادة بـ "أدوات الاستيطان"
لا ينفصل المسار السياسي في غزة عما يجري في الضفة الغربية والقدس المحتلة حيث يصف أبو قمر ما يحدث هناك بأنه "استكمال لمسلسل الإبادة"، حيث يتم استخدام عنف المستوطنين كأداة ميدانية لفرض وقائع جديدة.
ومع وجود أقطاب اليمين المتطرف مثل "بن غفير" و"سموتريتش"، تتسارع عمليات مصادرة الأراضي وضم الضفة فعلياً لإسرائيل.
ويؤكد أبو قمر أن هذه الممارسات ترقى لمستوى "جرائم حرب ضد الإنسانية" وتتطلب تفعيل ملفات المساءلة الدولية وملاحقة الاحتلال في المحاكم الجنائية، استناداً لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أدانت العدوان.
غزة.. بين أمل الإغاثة ومخاطر "التدويّل"
إن "مجلس السلام" يضع القضية الفلسطينية اليوم أمام اختبار هو الأصعب من نوعه؛ فبينما يبحث الغزيون عن سقف يقي أطفالهم المطر، وجدار يحميهم من صواريخ الاحتلال، تُحاك في الأروقة الدولية صيغ إدارية قد ترهن قرارهم الوطني لسنوات قادمة.
وغزة، التي أفشلت بدمائها صمودها مخططات "التهجير القسري"، قادرة على إفشال أي محاولة لتحويلها إلى محمية دولية أو خاضعة لوصاية مقنعة.
إن المطلوب الآن هو تحويل "مجلس السلام" من أداة ضغط دولية إلى "جسر عبور" نحو وحدة وطنية فلسطينية شاملة، تتولى فيها حكومة فلسطينية موحدة زمام الأمور في غزة والضفة على حد سواء وإن العالم اليوم مطالب بضمان ألا تتحول "سنتان الانتقال" إلى "عقود من التبعية"، وأن تبقى كرامة الإنسان الفلسطيني هي البوصلة الحقيقية لأي حل سياسي، بعيداً عن أطماع اليمين المتطرف في القدس أو أجندات القوى الكبرى في غزة.









