غزة تحت الأنقاض.. المباني المتصدعة وخروقات الاحتلال تحاصر حياة الفلسطينيين
بحلول مطلع عام 2026، وفيما كان ينتظر سكان قطاع غزة التقاط أنفاسهم بعد اتفاق وقف إطلاق النار، تحولت أنقاض الحرب إلى خطر داهم يهدد من نجا من القصف.
تعيش آلاف العائلات الفلسطينية اليوم تحت ظلال "مباني الموت"؛ وهي هياكل خرسانية متصدعة وآيلة للسقوط، أصبحت الملجأ الوحيد لمن فقدوا منازلهم ومراكز إيوائهم، في ظل أزمة إنسانية خانقة تزداد تعقيداً مع دخول فصل الشتاء وغياب البدائل الآمنة.
شتاء غزة.. معاناة تضاعفها قلة الإمكانات
مع بدء موسم الأمطار، تتصاعد المخاطر على العائلات التي تسكن في المناطق الساحلية مثل شارع الرشيد، حيث أدى انهيار جدار متهالك مؤخراً إلى استشهاد ثلاثة أفراد من عائلة واحدة، بينهم طفلة.
وتواجه بلديات القطاع والدفاع المدني عجزاً هائلاً في المعدات الثقيلة والوقود اللازم لإزالة الركام وتأمين الأبنية، نتيجة استمرار سلطات الاحتلال في منع إدخال الآليات اللازمة منذ أكثر من عامين، مما يعيق أي استجابة سريعة لحالات الطوارئ.
خروقات وقف إطلاق النار.. نزيف لم يتوقف
على الصعيد الميداني، كشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عن أرقام صادمة تتعلق بالالتزام بالاتفاقات الموقعة. فعلى مدار أكثر من 100 يوم من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي نحو 1300 خرق، أسفرت عن ارتقاء 483 شهيداً وإصابة 1287 آخرين.
توزعت هذه الانتهاكات المنهجية كما يلي ، 604 عمليات قصف واستهداف جوي ومدفعي و 430 حالة إطلاق نار استهدفت المدنيين في الأحياء السكنية و 200 عملية نسف متعمدة للمنازل والمباني السكنية و66 توغلاً للآليات العسكرية في مناطق مأهولة بالسكان.
وأشار البيان إلى أن 92% من هؤلاء الشهداء هم مدنيون، بينهم 252 طفلاً وامرأة ومسناً، تم استهداف معظمهم داخل الأحياء السكنية بعيداً عن "الخط الأصفر"، مما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
الشق الإنساني والمساعدات.. سياسة التقطير المستمرة
رغم بنود الاتفاق التي تنص على فتح المعابر، إلا أن الاحتلال لم يسمح سوى بدخول 25,816 شاحنة فقط من أصل 60 ألف شاحنة متفق عليها، بنسبة التزام لم تتجاوز 43%.
كما تواصلت أزمة الطاقة والوقود، حيث لم يدخل سوى 649 شاحنة وقود من أصل 5 آلاف شاحنة، مما تسبب في استمرار توقف محطة توليد الكهرباء وتعطيل المستشفيات والمرافق الحيوية.
تمثل غزة في عام 2026 مشهداً سريالياً يختزل كل معاني القهر الإنساني؛ حيث يسابق الموت السكان في كل تفصيل من تفاصيل حياتهم. لم يعد الموت يأتي من الطائرات فحسب، بل بات يترصد الأطفال والنساء من جدران منازلهم التي ألفوها وأصبحت اليوم تهدد بهرس عظامهم في أي لحظة. إن بقاء مئات الآلاف في مبانٍ متصدعة هو "انتحار قسري" تفرضه الظروف بعد أن دُمّر كل بديل آمن، وبعد أن أصبحت الخيام تسبح في وحل الشتاء والركام.
إن الأرقام التي أعلنها المكتب الإعلامي الحكومي حول خروقات الاحتلال هي صرخة في وجه المجتمع الدولي والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار.
فالاتفاق الذي لا يحمي طفلاً من رصاصة قناص أو يحمي عائلة من خطر انهيار سقف متهالك هو اتفاق منقوص يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية لإلزام الاحتلال ببنوده.
إن غزة اليوم لا تحتاج إلى بيانات تنديد، بل تحتاج إلى دخول فوري للمعدات الثقيلة، ومواد الإيواء، والفرق الهندسية لترميم ما يمكن ترميمه وإزالة ما يهدد الحياة.
ستبقى غزة شاهدة على أكبر جريمة تدمير حضري في العصر الحديث، ويبقى صمود أهلها تحت الأنقاض أسطورة تتحدى كل قوانين الفيزياء والسياسة، بانتظار عدالة دولية طال غيابها.
تأتي هذه الكارثة الإنسانية امتداداً لحرب مدمرة خلفت وراءها مئات الآلاف من الوحدات السكنية المتصدعة، التي تحولت في مطلع عام 2026 إلى ملاجئ قسرية و"مصائد موت" نتيجة غياب بدائل الإيواء.
ورغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قبل 100 يوم، إلا أن الاحتلال يواصل سياسة "الخروقات المنهجية" التي بلغت 1300 خرق، مستهدفاً المدنيين بعيداً عن خطوط التماس.
ويتزامن هذا التصعيد الميداني مع "حصار تقني" يمنع دخول المعدات الثقيلة لرفع الركام، وسياسة "تقطير المساعدات" التي لم تتجاوز 43% من الالتزامات الدولية، مما يجعل سكان القطاع يواجهون شتاءً قارساً تحت أسقف متهالكة تفتقر لأدنى مقومات الأمان البشري.










