4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

منصّة دافوس بلا نتنياهو: هل أصبحت إسرائيل عبئًا على المحافل الدولية؟

غياب نتنياهو عن دافوس، في وقت يسعى فيه ترامب لتسويق مبادرات دولية جديدة، يضعف القدرة الأمريكية على استخدام إسرائيل كشريك علني

بقلم: عمرو المصري
٢١ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
8 مشاهدة
نتنياهو خلال مؤتمر في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في 21 يناير 2016. (وكالة فرانس برس/فابريس كوفرييني)

نتنياهو خلال مؤتمر في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في 21 يناير 2016. (وكالة فرانس برس/فابريس كوفرييني)

تحوّل المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المنعقد بين 19 و23 يناير، إلى مرآة كاشفة لمستوى التراجع الذي وصلت إليه مكانة إسرائيل السياسية والدبلوماسية، بعدما غاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن أحد أهم المحافل الدولية، ليس بقرار تنظيمي أو اعتذار دبلوماسي، بل بفعل أوامر اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية منذ نوفمبر 2024، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.

هذا الغياب القسري، الذي فرضته معادلة القانون الدولي، لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا، بل شكّل حدثًا سياسيًا بحد ذاته، خصوصًا أن دافوس يُعد منصة تقليدية لتثبيت الشرعيات، وبناء الشبكات، وصياغة التفاهمات غير المعلنة بين قادة العالم. حضور إسرائيل اقتصر على الرئيس يتسحاق هرتسوغ، في مشهد عكس انتقال الكيان العبري من موقع «الشريك الكامل» إلى موقع «التمثيل المحدود والحرِج».

أوامر المحكمة الدولية

أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ضد نتنياهو وغالانت لم تعد ورقة قانونية نظرية، بل تحوّلت إلى أداة تقييد سياسي فعلي، أعادت تعريف حركة القيادات الإسرائيلية في الفضاء الدولي. فغياب نتنياهو عن دافوس، كما عن عدد من العواصم الأوروبية خلال العام الماضي، يؤكد أن وجود رغبة في التصدي لمرحلة الإفلات المطلق من المحاسبة، وأن الجرائم المرتكبة في غزة منذ أكتوبر 2023 باتت تُترجم إلى كلفة سياسية مباشرة.

ورغم محاولات إسرائيل التشكيك بشرعية المحكمة، إلا أن الواقع العملي يكشف أن مؤسسات دولية كبرى، ومحافل مؤثرة، باتت تتعامل مع قرارات الـICC كمرجعية ملزمة، أو على الأقل كخط أحمر سياسي لا يمكن تجاهله، خصوصًا في الفضاء الأوروبي.

هرتسوغ في دافوس: خطاب دفاعي

في هذا السياق، حاول الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ تحويل مشاركته في دافوس إلى منصة دفاع سياسي، مستخدمًا لغة هجومية غير معتادة من موقعه البروتوكولي. وصف هرتسوغ استبعاد نتنياهو وغالانت بأنه «مكافأة للإرهاب»، في خطاب يعكس ارتباكًا واضحًا في الرواية الإسرائيلية، التي تحاول القفز فوق جوهر الاتهامات، وتحويل المساءلة القانونية إلى مؤامرة سياسية.

حديث هرتسوغ لم يتضمن أي معالجة لمضمون الاتهامات، ولا لأي من التقارير الدولية التي وثّقت المجازر في غزة، بل ركّز على فكرة «الاستهداف السياسي لإسرائيل»، وهو خطاب يعكس عجزًا عن التعامل مع التحول الحقيقي في المزاج الدولي، الذي لم يعد مستعدًا لتبنّي الرواية الإسرائيلية دون مساءلة.

ارتباك الحكومة الإسرائيلية

مواقف الحكومة الإسرائيلية عكست بدورها هذا الارتباك. فبينما أيدت تصريحات هرتسوغ شكليًا، لجأت أجنحة اليمين المتطرف، وعلى رأسها بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إلى تصعيد خطاب المواجهة مع المؤسسات الدولية، واعتبار العزلة «دليل صواب النهج»، في محاولة لتحويل الفشل الدبلوماسي إلى إنجاز أيديولوجي.

هذا الخطاب لا يخفي حقيقة أن استبعاد نتنياهو عن محافل كبرى كدافوس يقيّد قدرة الحكومة الإسرائيلية على التأثير في ملفات حيوية، من إعادة إعمار غزة، إلى ترتيبات ما بعد الحرب، وصولًا إلى مشاريع أمريكية كـ«مجلس السلام» الذي يروّج له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

دلالات العزلة الدولية

استبعاد القيادات الإسرائيلية من محافل دولية كدافوس يحمل دلالات أعمق من مجرد غياب أشخاص. نحن أمام تحوّل تدريجي في آليات التعامل مع إسرائيل، حيث لم تعد «الديمقراطية المزعومة» ولا «التحالف مع أمريكا» كافية لتوفير حصانة سياسية مطلقة.

ملصق يتهم بنيامين نتنياهو بأنه مجرم حرب مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية


 

هذا التحول يعني أن الجرائم المرتكبة في غزة لم تبقَ حبيسة التقارير الحقوقية، بل انتقلت إلى مستوى التأثير العملي على تمثيل إسرائيل الدولي، وعلى قدرتها في صياغة الأجندات الاقتصادية والسياسية، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستثمارات، والعلاقات التجارية، وصورة الدولة ككل.

واشنطن والحرج المتزايد

في ظل الدعم الأمريكي غير المحدود لجرائم حرب الاحتلال، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة. فهي من جهة تواصل توفير الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل، ومن جهة أخرى تضطر للتعامل مع واقع دولي جديد يفرض قيودًا على حركة الحلفاء المتهمين بجرائم حرب.

غياب نتنياهو عن دافوس، في وقت يسعى فيه ترامب لتسويق مبادرات دولية جديدة، يضعف القدرة الأمريكية على استخدام إسرائيل كشريك علني، ويدفع نحو نمط من «الدعم الصامت» بدل الشراكة العلنية، وهو ما يعكس تراجع الوزن الإسرائيلي حتى داخل المعسكر الغربي نفسه.

مسار مفتوح للتصعيد

المشهد الذي كشفه دافوس لا يبدو استثنائيًا أو عابرًا، بل مرشحًا للتكرار والتوسع. فمع استمرار العدوان، وتراكم الملفات القضائية، واتساع دائرة الاعتراف الدولي بالجرائم الإسرائيلية، ستجد تل أبيب نفسها أمام قائمة متزايدة من المحافل المغلقة، والقيود السياسية، والعزلة الرمزية.

بهذا المعنى، لم يكن استبعاد نتنياهو وغالانت من دافوس حادثًا بروتوكوليًا، بل مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة، تنتقل فيها كلفة الجرائم من ساحات غزة إلى المنصات الدولية، حيث لم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة على حماية قادتها من المساءلة، ولا على منع تآكل شرعيتهم السياسية.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال