في ذروة المشهد الدموي المستمر في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطرح مبادرة جديدة تحت مسمى «مجلس السلام لغزة»، مقدّمًا إياها كإطار دولي لإدارة المرحلة التالية للحرب، وضبط مسارات الإعمار، والإشراف على الترتيبات السياسية والأمنية في القطاع. غير أن هذا الطرح، الذي يتوسّع فيه ترامب سياسيًا وإعلاميًا خلال الأسابيع الأخيرة، يثير تساؤلات عميقة لا تتعلق فقط بمستقبل غزة، بل بطبيعة النظام الدولي ذاته، وحدود الدور الأمريكي في تجاوز المؤسسات الأممية القائمة.
اللافت أن دعوة ترامب لا تأتي في سياق إنساني خالص، بل تتزامن مع تصعيد الاحتلال الإسرائيلي، واستمرار خروق وقف إطلاق النار، وتعطيل إدخال المساعدات، ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع ترى في «مجلس السلام» محاولة لإعادة ضبط قواعد إدارة الصراع خارج مظلة الأمم المتحدة، وبما يخدم موازين القوة لا القانون الدولي.
مجلس السلام خارج الأمم المتحدة
منذ الإعلان الأولي عن الفكرة، بدا واضحًا أن «مجلس السلام» لا يستند إلى أي قرار صادر عن مجلس الأمن، ولا إلى تفويض أممي رسمي، بل يقوم على تفاهمات سياسية تقودها واشنطن بمشاركة دول مختارة بعناية، أبرزها أمريكا، إلى جانب أطراف إقليمية فاعلة. هذا الإطار، بحسب تصريحات متكررة لمسؤولين أمريكيين نقلتها وسائل إعلام غربية، يُراد له أن يكون «مرنًا وسريع القرار»، في مقابل ما تصفه الإدارة الأمريكية بـ«تعقيدات البيروقراطية الأممية».
لكن هذا التوصيف يخفي في جوهره محاولة واضحة لتهميش الأمم المتحدة، التي باتت تشكل عبئًا سياسيًا على واشنطن وتل أبيب، خصوصًا بعد التقارير المتتالية الصادرة عن منظمات دولية تؤكد ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي مجازر واسعة بحق المدنيين في غزة منذ أكتوبر 2023، وتصنّف ما يجري كجرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
دوافع ترامب السياسية
سياسيًا، يقرأ مراقبون توسّع ترامب في الترويج لـ«مجلس السلام» ضمن إطار أوسع لإعادة تثبيت الحضور الأمريكي كصاحب القرار الأول في ملفات الشرق الأوسط، بعد سنوات من تراجع الثقة بالدور الأمريكي، وتصاعد الانتقادات العالمية لانحياز واشنطن المطلق للاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب محللين في مراكز أبحاث أمريكية، فإن ترامب يسعى إلى تقديم نفسه كرئيس قادر على «إدارة ما بعد الحرب»، لا الاكتفاء بدعمها، في محاولة لاستثمار الملف الفلسطيني داخليًا وخارجيًا، وتقديم نموذج بديل عن الدبلوماسية التقليدية التي ارتبطت بالأمم المتحدة. هذا التوجه ينسجم مع نهج ترامب المعروف منذ ولايته الأولى، حين فضّل الاتفاقات الثنائية والمبادرات الخاصة على الأطر متعددة الأطراف.
مجلس سلام أم وصاية دولية؟
في العمق، يطرح «مجلس السلام» إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة السيادة الفلسطينية. فالمجلس المقترح، وفق تسريبات إعلامية أمريكية، سيشرف على الإعمار، وإدارة الأموال، وتنسيق الملف الأمني، وهو ما يعني عمليًا نقل القرار الفلسطيني إلى هيئة دولية غير منتخبة، تعمل تحت المظلة الأمريكية.
هذا الطرح يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية من تحويل غزة إلى نموذج «وصاية دولية مقنّعة»، تُدار فيها الحياة السياسية والاقتصادية بقرارات خارجية، فيما يُستبعد الفلسطينيون من تقرير مصيرهم الحقيقي. وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان تجارب دولية سابقة فشلت، لأنها تجاهلت الجذر السياسي للصراع، المتمثل في الاحتلال ذاته.
الموقف الإسرائيلي والدور الأمريكي
رغم الترحيب الإسرائيلي العلني بأي إطار «يمنع عودة حماس»، فإن تل أبيب تبدي تحفظات واضحة على بعض تركيبة المجلس، خاصة ما يتعلق بمشاركة دول مثل قطر وتركيا، وهو ما كشفته تقارير عبرية تحدثت عن مخاوف إسرائيلية من وصول أموال الإعمار إلى المقاومة الفلسطينية بطرق غير مباشرة.
لكن في المقابل، تستفيد إسرائيل من جوهر الفكرة، لأنها تنقل عبء غزة من كاهل الاحتلال إلى المجتمع الدولي، من دون إنهاء السيطرة الفعلية أو الالتزام بإنهاء الحصار. وهنا يظهر الدور الأمريكي بوضوح، باعتباره الضامن السياسي لأي صيغة تتيح للاحتلال الإفلات من المحاسبة، مقابل إدارة إنسانية مؤقتة للأزمة.
نظام دولي موازٍ؟
الأخطر في مبادرة «مجلس السلام» أنها قد تشكّل سابقة دولية. فإذا جرى فرض هذا النموذج في غزة، يمكن لاحقًا تكراره في مناطق نزاع أخرى، بما يعني عمليًا نشوء نظام دولي موازٍ تقوده الولايات المتحدة، خارج منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولي.
ويرى خبراء في القانون الدولي، بحسب تقارير صادرة عن معاهد أوروبية، أن تجاوز المؤسسات الأممية في قضية بحجم فلسطين يشكل ضربة قاسية لمفهوم الشرعية الدولية، ويؤسس لمرحلة تُدار فيها الحروب وتسوياتها وفق ميزان القوة فقط، لا وفق القواعد القانونية المتعارف عليها.
غزة بين الإعمار والابتزاز
إن ربط الإعمار بقبول «مجلس السلام» يحوّل الاحتياجات الإنسانية في غزة إلى أداة ضغط سياسي. فالشعب الفلسطيني الذي يواجه كارثة غير مسبوقة من دمار شامل، ونزوح واسع، وانهيار صحي كامل، يُدفع اليوم إلى القبول بأي صيغة تُنقذه من الجوع والبرد، ولو على حساب حقوقه السياسية.
هذا الابتزاز الإنساني، الذي ترعاه واشنطن بشكل مباشر، يعكس بوضوح كيف يُستخدم الملف الإنساني لتكريس واقع سياسي جديد، يُبقي الاحتلال قائمًا، ويؤجل أي حديث جدي عن إنهائه.
مشهد مفتوح على التصعيد
في ظل استمرار القصف الإسرائيلي، وخرق وقف إطلاق النار، وغياب أي ضمانات حقيقية لحماية المدنيين، يبقى «مجلس السلام» مشروعًا معلّقًا بين الطرح السياسي والفرض القسري. فالأرض المشتعلة في غزة لا تبدو مهيأة لأي ترتيبات مستقرة، ما يجعل كل مبادرة غير قائمة على إنهاء الاحتلال مجرد إدارة للأزمة لا حلًا لها.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة ترامب أقرب إلى محاولة إعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية بصيغة جديدة، تُدار من خلالها المنطقة عبر مجالس ولجان، بينما تبقى جذور الصراع بلا مساس، وتستمر المجازر التي بدأت منذ أكتوبر 2023 تحت غطاء سياسي ودولي مكشوف.










