4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: المرأة في الدراما العراقية: حبيسة "الدمعة" أم شريكة "القرار"؟

مع اقتراب شهر رمضان الكريم وتجدد الموسم الرمضاني، سيبدأ الجدل حول "المرآة" التي تقدمها الشاشة للمجتمع. فالعراق، الذي يمتلك إرثاً غنياً من الشاعرات، الطبيبات، المهندسات، والناشطات، غالباً ما يجد نساءه على الشاشة محاصرات في زاوية ضيقة لا تشبه واقعهن المتعدد الأبعاد.

بقلم: سارة جاسم
٢٢ يناير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
22 مشاهدة
الدراما العراقية

الدراما العراقية

مع اقتراب شهر رمضان الكريم وتجدد الموسم الرمضاني، سيبدأ الجدل حول "المرآة" التي تقدمها الشاشة للمجتمع. فالعراق، الذي يمتلك إرثاً غنياً من الشاعرات، الطبيبات، المهندسات، والناشطات، غالباً ما يجد نساءه على الشاشة محاصرات في زاوية ضيقة لا تشبه واقعهن المتعدد الأبعاد.

على مدار عقود، انقسمت شخصية المرأة في المسلسل العراقي إلى ثلاثة أنماط رئيسية نادراً ما يتم الخروج عنها:

"المظلومة المستسلمة" ،وهي الشخصية التي تُعرف بـ "المناحة" وظيفتها الدرامية هي استدرار عطف الجمهور عبر البكاء المتواصل، وتلقي الصفعات (جسدياً ومعنوياً) دون رد فعل حقيقي.

وشخصية "الأفعى أو المحركة للمكائد"، وهي النقيض، امرأة قوية لكن قوتها "شريرة"، تنحصر طموحاتها في تدمير حياة الآخرين أو السيطرة على أموال العائلة، ما يكرس فكرة أن "قوة المرأة خطر".

وكذلك "التابعة": الأخت أو الابنة التي لا وجود لها إلا لتنفيذ أوامر "كبير العائلة"، وخطها الدرامي يبدأ وينتهي عند قضية (الزواج أو غسل العار).

 

 نماذج من الذاكرة الدرامية

لنفهم التطور أو التعثر، يجب أن نستعرض بعض النماذج البارزة خلال العقود الماضية في الدراما التلفزيونية :

  1. مسلسل "مناوي الباشا" (شخصية سعاد)

رغم أنه مسلسل تاريخي، إلا أنه قدم نماذج نسائية متنوعة. لكن ظل الصراع يدور حول "المرأة كرمز للشرف أو التضحية الوطنية"، وقلما رأينا صراعاً يخص طموح المرأة الشخصي ككيان مستقل بعيداً عن صراعات الرجال.

  1. مسلسل "هوى بغداد" (شخصية شمس )

مثّل هذا العمل نقطة تحول في "الصورة البصرية" للمرأة العراقية. ظهرت "شمس" كفتاة عصرية، عاملة، تختار شريكها بوعي، وتتحرك في بغداد كمدينة للحب والجمال لا كساحة حرب. كان خروجاً عن نمط "المرأة المقهورة"، لكنه واجه انتقادات بأنه "مثالي زيادة عن اللزوم" ولا يلامس قاع المجتمع.

  1. مسلسل "طيبة"

تناول قضية الفوارق الطبقية والكذب الاجتماعي. شخصية "طيبة" قدمت نموذجاً للفتاة الطموحة التي تحاول تغيير واقعها، لكن الدراما ظلت تحصر قيمتها في "مدى صدقها مع الحبيب"، بدلاً من التركيز على رحلتها التعليمية أو المهنية كهدف أسمى.

  1. مسلسل "اقتحام" (شخصية طيبة )

هنا نرى تحولاً نحو "المرأة القوية فعليةً"، التي تقود عمليات وتتخذ قرارات صعبة في بيئة قاسية. هذا النموذج بدأ يكسر احتكار الرجل لأدوار "الأكشن" والقيادة، وهو اتجاه بدأ ينمو في الدراما العراقية مؤخراً.

 

 أين "الواقع" عن "الشاشة"؟

 ان أزمة النص (ذكورية جاثمة)  فمعظم كتاب الدراما العراقية هم من الرجال. لذا، تخرج الشخصيات النسائية من منظور "ما يريده الرجل من المرأة" أو "كيف يتخيل معاناتها"، وليس من واقع تجربة المرأة الحقيقية.

 كما ان الاستسهال الإنتاجي مثل البكاء والصراخ والعنف المنزلي هي "بضاعة رابحة" وتجذب المشاهدات العالية (الترند)، بينما بناء شخصية نسائية معقدة (طبيبة تواجه الفساد، أو باحثة تعاني من التغير المناخي) يتطلب جهداً بحثياً أكبر.

 ولا ننسى دور الرقابة الاجتماعية حيث يخشى بعض المنتجين تقديم صورة "المرأة المتمردة" أو "المتحررة فكرياً" تجنباً للهجوم العشائري أو الديني، فيفضلون بقاءها في دور "الضحية" لأنها صورة "آمنة" اجتماعياً.

ويتمم هذا المشهد غياب "التراكم المعرفي" في كتابة الشخصية، حيث تُحرم المرأة الدرامية من حقها في امتلاك "تاريخ شخصي" أو دوافع منطقية، لتصبح مجرد أداة لتمرير الحبكة التي رسمها الكاتب، فتغيب عن الشاشة تلك التحولات النفسية العميقة التي تمر بها المرأة العراقية في مواجهة التحولات الطبقية والاقتصادية. هذا التسطيح المتعمد لا يسيء للمرأة فحسب، بل يفرغ الدراما من قيمتها الفنية كمرآة للمجتمع، ويجعل من "الشاشة" جداراً عازلاً بدلاً من أن تكون نافذة، فبينما تقود النساء في الواقع مبادرات مدنية وتدير مؤسسات وتواجه تحديات وجودية في سوق العمل، تصر الدراما على إعادتها إلى "مطبخ الأحداث" أو حصر صراعاتها في قضايا الزواج والغيرة، مما يخلق جيلاً من المشاهدين يرى في المرأة عنصراً ثانوياً في مسيرة التغيير الوطني، ويؤبد الصور النمطية التي تجاوزها الزمن فعلياً في أزقة بغداد وبقية المحافظات.

 

 ماذا نحتاج في رمضان 2026؟

نحن بحاجة إلى دراما لا "تُجمل" الواقع ولا "تجلده"، بل تنصفه. نريد رؤية المرأة التكنو-اجتماعية: التي تدير مشاريعها من هاتفها الذكي. او المرأة الريفية القيادية التي لا تكتفي بـ "خبز التنور"، بل تقود مجتمعها لمواجهة الجفاف.

وربما المرأة في مراكز القرار: وزيرة، قاضية، أو مديرة أمن، وصراعاتها مع البيروقراطية والفساد.نحتاج  إنصاف المرأة في الدراما العراقية ليس "منّة" أو "تجملاً"، بل هو ضرورة فنية. فالدراما التي تعجز عن تصوير نصف المجتمع بصدق، هي دراما عاجزة عن البقاء في الذاكرة.

 النصوص النسائية المفقودة

عند مراجعة تترات المسلسلات العراقية (خاصة الضخمة منها)، نجد ندرة هائلة في أسماء كاتبات السيناريو. لماذا؟

الا انها تتطلب الاحتكاك بمواقع التصوير والمنتجين، وهي بيئات ما زالت ذكورية بامتياز، مما يدفع الكاتبات المبدعات نحو الرواية أو القصة القصيرة بدلاً من الدراما؟

 عندما يكتب الرجل عن معاناة المرأة (مهما كان متعاطفاً)، فإنه يكتبها من منظور "المراقب". النصوص التي تصف مشاعر الإحباط الداخلي، الرغبة في الاستقلال المادي، أو حتى التفاصيل اليومية الصغيرة لامرأة عراقية، تبقى مفقودة لأن "صاحبة الشأن" لم تُمنح الفرصة لكتابتها.

كما ان هناك عشرات النصوص لكاتبات شابات تتناول "التحرش في أماكن العمل" أو "معاناة الأرامل الشابات مع قوانين الحضانة" تُرفض من قبل المنتجين بحجة أنها "نكدية" أو "لا تجذب المعلنين" أو تمس جهات تتطرف في الرأي

 

رسالة مفتوحة

إلى المنتجين، المخرجين، والقائمين على القنوات الفضائية.. ونحن على أعتاب موسم درامي جديد ومع اقتراب شهر رمضان، نترقب بشغف ما ستقدمه الشاشة العراقية. نحن لا ننكر القفزات التقنية والجمالية التي حققتها الدراما في السنوات الأخيرة، لكننا اليوم نقف أمام "فجوة وهوية" لا يمكن السكوت عنها: الفجوة بين امرأة الواقع العراقي لعام 2026، وبين تلك التي تسكن نصوصكم.

كفى استنساخاً لـ "الضحية" لقد استهلكتم دموع المرأة العراقية حتى جفت. إن حصر المرأة في دور "المظلومة" التي تنتظر منقذاً، أو "المتآمرة" التي تدير المكائد في المطبخ، ليس مجرد استسهال فني، بل هو تزييف للواقع. المرأة العراقية اليوم هي الطبيبة التي تواجه شح الموارد، هي المهندسة في حقول النفط، هي الأرملة التي تدير مشروعاً رقمياً من هاتفها لتعيل عائلتها، وهي الناشطة التي تحارب من أجل القوانين. أين هؤلاء من شاشاتكم؟ لماذا تغيب "الأقلام النسائية"؟

إن أغلب ما نشاهده هو "المرأة كما يراها الرجل". نحن نفتقد إلى "الذاتية النسوية" في الكتابة. لماذا تغيب الكاتبات العراقيات عن منصات التتويج الدرامي؟ إن النص الذي تكتبه امرأة عن معاناتها مع قوانين الحضانة، أو تحرشات العمل، أو حتى عن أحلامها البسيطة، يمتلك صدقاً لا يمكن لأي كاتب رجل – مهما بلغت عبقريته – أن يحاكيه. افتحوا الأبواب للكاتبات الشابات، فلديهن قصص لم تسمعوها بعد.

 

 

 

 

 

 

 

 

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير