إن ما قاله مراسل قناة 12 الإسرائيلية يظهر توتراً داخلياً في الكلام الإسرائيلي عن مستقبل غزة. يبين كيف أن مشاركة نتنياهو في "مجلس السلام" – حتى لو كانت شكلية أو مفروضة – تبدو خياراً أفضل من البقاء معزولا.
هناك خمس نقاط رئيسية يمكن شرحها ببساطة:
الاولى: المنطق الانتقائي لنتنياهو للاشتراك في مجلس السلام: بين السيطرة والطاعة
الادعاء بأن "مصلحة إسرائيل الواضحة" في الانضمام إلى مجلس السلام يعكس استراتيجية انتقائية، فاسرائيل عادة ترفض أي إطار دولي يحد من سيادتها الكاملة على الأراضي المحتلة. لكن هنا، يبرر نتنياهو الاشتراك كطريقة للتأثير من الداخل. وهذا يتناقض مع رفضها الدائم لأي رقابة دولية على تصرفاتها في الأراضي المحتلة. لذا، الاشتراك ليس ثقة في المجلس الجديد، بل اعتراف غير مباشر بعدم القدرة على فرض حلول لوحدها والرضوخ إلى ضغوطات ترامب.
الثانية: الخضوع للطلبات الأمريكية: نهاية الاستقلال السياسي؟
الإشكالية هنا الإشارة إلى أن نتنياهو "لا يستطيع رفض طلب مثل هذا من ترامب" تكشف عن التبعية المستمرة لأمريكا، حتى تحت إدارة بايدن. الأهم أن هذا يظهر ضعفاً أساسياً في القرار الإسرائيلي. حتى الزعيم الذي بنى صورته على "القوة بدون تنازلات" يضطر الآن لقبول إطار لا يسيطر عليه، مما يضعف الرواية الداخلية عن "التفوق الاستراتيجي".
الثالثة: الهجوم على الأمم المتحدة: تشتيت الانتباه عن الفشل الداخلي
التشكيك في "نفاق" الأمم المتحدة ليس جديداً، لكن توقيته الآن له غرض تكتيكي: تبرير الهروب من الشرعية الدولية عبر مؤسسة بديلة تعتمد على القوة لا على القانون. هذا يعكس تغييراً خطيراً في النظام الدولي، حيث يتم استبدال المؤسسات الدولية بتحالفات مصالح تديرها واشنطن وتل أبيب، وتهمش فيها حقوق الفلسطينيين كأصحاب القضية.
الرابعة: غموض الميثاق: تكتيك لتأجيل المواجهة مع الواقع
التركيز على أن "غداً سنعرف ما يحتويه ميثاق مجلس السلام" يستخدم كطريقة لتأجيل النقاش الأساسي: ماذا يعني "تفكيك حماس" بالضبط؟ وهل سيسمح بسلطة فلسطينية مستقلة؟ الغموض المتعمد يعطي إسرائيل مساحة لتفسير القرارات لاحقاً بما يناسب أمنها، لكنه يضعف مصداقية المجلس ككل، لأن أي مؤسسة لا يمكن بناؤها على أساس "سنرى لاحقاً".
الخامسة: القلق من الدور التركي-القطري: كشف الخوف من فقدان السيطرة الأمنية
القلق من دخول تركيا وقطر في القرارات – وحتى احتمال وجود "جنود أتراك وقطريين" – ليس مجرد رد أمني، بل تعبير عن خوف عميق. الاحتلال الإسرائيلي اعتمد تاريخياً على احتكار القتل في غزة. وجود قوات من دول إسلامية – حتى لو تحت غطاء دولي – يهدد هذا الاحتكار، ويعيد توازن القوى رمزياً وعملياً. رد "مكتب رئيس الوزراء" بالنفي ("هذا غير وارد") غير مقنع، لأنه لا يملك القدرة على فرض ذلك على الشركاء الدوليين.
ملخص تحليلي:
مجلس السلام، كما يُرسم الآن، ليس أداة سلام حقيقية، بل محاولة لإعادة ترتيب الأمور بعد فشل الخيار العسكري في القضاء على حماس؛ إسرائيل تشارك فيه لا لأنها تؤمن به، بل لتسبق تغييراً دولياً لا تستطيع إيقافه وحتى تعرقل اي قرار يصدر ترى فيها انقاص من سيادتها الاحتلالية على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومع ذلك، إدخال لاعبين مثل تركيا وقطر – حتى لو محدوداً – يشير إلى تراجع النفوذ الإسرائيلي في رسم مستقبل غزة. هذا يفسر حالة الذعر في الكلام الأمني الإسرائيلي. الفشل الحقيقي ليس في التركيبة، بل في الاستمرار في رؤية غزة كمشكلة أمنية فقط، لا كقضية سياسية تحتاج حلا سياسيا عادلا.
إشكالية الترابط بين الملفات والأدوار غزة والضفة الغربية،ايران، اوكرانيا، ودور روسيا كلاعب أساسي في المعادلة المركبة والسيناريوهات الاستراتيجية
أولاً: هل سينجح "مجلس السلام" (أو أي إطار غربي-إسرائيلي) في قطاع غزة؟
الإجابة المختصرة: لا – ليس كما يُعلن.
السبب ليس عسكرياً أو تنظيمياً، بل سياسياً وأساسياً غياب الحل السياسي واستحضار الحل الأمني.
1. عدم وجود شرعية فلسطينية: أي ترتيب بدون منظمة التحرير الفلسطينية (أو قوى فلسطينية مقبولة شعبياً) سيكون احتلالاً مقنعاً، لا خطة سلام. حتى لو نفذ عسكرياً، سيفشل سياسياً ويمنح حماس شرعية المقاومة من جديد.
2. تفكيك حماس لا يعني بناء سلام: إسرائيل وأمريكا يعاملان غزة كمشكلة أمنية تحتاج إزالة، بينما جوهرها قضية سياسية تحتاج إنهاء الاحتلال، لا نزع سلاح المقاومة. التاريخ يظهر أن القمع بدون حلول سياسية يولد مقاومة جديدة، لا استقراراً طويل المدى.
3. الاعتماد على دول إقليمية (مثل مصر والأردن) لم ينجح سابقاً، لأن هذه الدول ترفض تحمل مسؤولية إدارة غزة تحت الاحتلال بدون ضمانات سياسية واضحة – خاصة مع الغضب الشعبي العربي، وأي "نجاح" مؤقت سيكون ضعيفاً، وقد ينهار عند أول مشكلة.
ثانياً: تأثير ذلك على الضفة الغربية
هنا الخطر الأكبر:
- إذا تم فرض نموذج "غزة بعد الحرب" كسابقة، قد تسعى إسرائيل لتطبيقه على الضفة: عزل المدن، تفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الحكم إلى مجالس محلية تحت رقابة أمنية إسرائيلية، لكن الضفة مختلفة بها مستوطنات كثيرة، واقتصاد مرتبط بإسرائيل، ونخب فلسطينية مرتبطة بالنظام الحالي. أي محاولة لتفكيك السلطة هناك ستؤدي إلى فوضى أمنية داخلية، وربما انتفاضة ثالثة وغضب عالمي.
والأهم أن الضفة هي قلب المشروع الوطني الفلسطيني. فقدانها يعني نهاية الدولة الفلسطينية عملياً. لذا، أي محاولة لنسخ "حل غزة" هناك ستواجه رفضاً فلسطينياً كاملا وتحذيرات دولية، حتى من الحلفاء الغربيين.
ثالثاً: ربط الملفات: إيران، أوكرانيا، وروسيا
هذا البعد الأعمق. هناك مقايضة استراتيجية غير معلنة بين القوى الكبرى:
روسيا تستخدم غزة كورقة ضغط غير مباشرة، رغم عدم وجودها مباشرة في غزة، روسيا تستفيد من فشل الغرب في تقديم حل عادل. تروج لنفسها في الدول النامية كقوة ضد الهيمنة، وتقارن صمت الغرب على غزة بغضبه على أوكرانيا، كما أن دعم روسيا لإيران (عسكرياً ولوجستياً) يعقد الأمور، إيران تدعم حماس وحزب الله ومحور المقاومة ، وأمريكا تعرف أن ضرب إيران قد يفتح جبهات متعددة – خاصة إذا زودت روسيا إيران بأنظمة دفاع أو معلومات.
2. الغرب يربط أوكرانيا بغزة... بشكل غير مباشر
- الإدارات الأمريكية وخاصة إدارة ترامب تحاول فصل الملفات علناً ("أوكرانيا أمن أوروبي، غزة إنسانية")، لكن الواقع يفرض ربطاً استراتيجياً، ترامب يقايض ويؤمن بمبدأ المقايضة مع الشركاء روسيا الصين اسرائيل.
السيناريو الخطير: صفقة غير معلنة بين واشنطن وموسكو
- هناك احتمال – وإن كان بعيداً الآن – أن تقدم أمريكا تخفيفاً في موقفها من أوكرانيا (مثل عدم دفع كييف لاستعادة القرم) مقابل عدم تدخل روسيا في إعادة بناء غزة أو دعم إيران عسكرياً.
- لكن هذا السيناريو يهدد بفقدان الثقة مع الحلفاء: الأوروبيون لن يقبلوا "تضحية" بأوكرانيا، والعرب لن يقبلوا صفقة تتجاهل حقوق الفلسطينيين.
ملخص توقعي:
١.في غزة: الفشل شبه مؤكد لأي ترتيب أمني بدون حل سياسي. "مجلس السلام" سيكون أداة لإدارة الأزمة أو إعادة تدوير الاحتلال الإسرائيلي، لا إنهائها.
٢.في الضفة: أي محاولة لنسخ النموذج الغزي ستسرع انهيار السلطة الفلسطينية، وتفجر انتفاضة جديدة – مما يعقد حسابات إسرائيل.
٣.على المستوى الدولي: موافقة روسيا على انضمامها رسمياً، لخلق توازن دولي إقليمي مع أمريكا، أما للصين ستحافظ على حياد تكتيكي، لكنها ستدعم أي آلية تضعف الهيمنة الأمريكية وتقوية علاقتها مع إسرائيل لتعزيز التعاون التجاري والتكنولوجيا الامنية.
٤.الربط بين الملفات: ليس تحليلاً نظرياً، بل واقع عملي. ما يحدث في غزة يضعف شرعية الغرب في أوكرانيا، وما يحدث في أوكرانيا يعطل الحل في غزة. روسيا – كلاعب يمكنه العرقلة أو التسهيل – ستبقى العامل الرئيسي في التعطيل الاستراتيجي.
٥. رهان حماس إيران : عزل ترامب وفشل نتنياهو في الانتخابات وعلى كل الأحوال ستحدث تطورات داخلية وخارجية في الدولتين مما يؤثر على مشروع مجلس سلام ترامب ونتنياهو.
النظام الدولي لم يعد يعتمد على قواعد، بل على مصالح متصادمة ومقايضات غير معلنة. غزة ليست مشكلة محلية، بل مؤشر على حالة النظام العالمي نفسه.










