كشفت محكمة الصلح الإسرائيلية، في حكم حديث، واحدة من قضايا الفساد الصارخة داخل المؤسسات الدينية الإسرائيلية، بعدما ثبت أن المدير التنفيذي السابق لمدرسة دينية عليا (يشيفا) في مستوطنة «كوخاف هشاحر» استخدم أموال التبرعات لأغراضه الشخصية، من نزهات وتسوق ورفاهية خاصة، في سلوك يناقض تمامًا الخطاب الديني والأخلاقي الذي ترفعه هذه المؤسسات.
القضية تتعلق بإيتمار لوپس، الذي شغل بين عامي 2017 و2022 منصب المدير التنفيذي لليشيڤا، وكان مسؤولًا بشكل مباشر عن جمع التبرعات لمؤسسة دينية تضم ما بين 30 و40 طالبًا من الشبان والمتزوجين. وبحسب قرار المحكمة، فإن لوپس تصرّف بأموال الجمعية «كما لو كانت ملكًا خاصًا له».
الـ«يشيفا»: مؤسسة تعليم ديني يهودية أرثوذكسية تُدرّس التوراة والتلمود، وتؤدي في إسرائيل دورًا أيديولوجيًا يتجاوز التعليم الديني، إذ تُستخدم في كثير من الحالات كحاضنة فكرية للتحريض القومي والديني، ورافعة لتبرير الاستيطان والإبادة ضد الفلسطينيين، مع اعتماد واسع على التبرعات والتمويل الحكومي.
فساد وتحويلات بلا رقيب
بحسب الحكم الصادر عن القاضي مردخاي بورشتاين، أجرى لوپس تحويلات مصرفية ضخمة من حسابات الجمعية إلى حساباته الشخصية دون وجه حق. المحكمة ألزمته بإعادة نحو 600 ألف شيكل، بعد أن ثبت أنه استغل موقعه الوظيفي وانعدام الرقابة الداخلية في المؤسسة.
القضية، التي رفعتها إدارة اليشيڤا عقب انتهاء عمله، كشفت أن المدير السابق استخدم أموال المتبرعين في تزويد سيارته بالوقود، والتسوق، وقضاء عطلات، وشراء مجمّدات كهربائية وأثاث منزلي، وكل ذلك تحت غطاء «النشاط الإداري» للمؤسسة الدينية.
زوجة شريكة بالصمت
لم تتوقف القضية عند لوپس وحده، بل شملت أيضًا زوجته أوريت، التي كانت تعمل طاهية في اليشيڤا. المحكمة اعتبرت أن صمتها وعدم إبلاغ الإدارة، رغم دخول الأموال إلى الحساب البنكي المشترك بينهما، يرقى إلى شبهة «الإثراء غير المشروع».
وطالبت الجمعية في دعواها بإعادة نحو 830 ألف شيكل، معتبرة أن ما جرى يشكّل استغلالًا فاضحًا لأموال خُصصت للدراسة الدينية، في وقت تُستخدم فيه هذه المؤسسات كمنابر أيديولوجية لتبرير الاحتلال والتحريض على العنف ضد الفلسطينيين.
دفاع واهٍ ومرفوض
في المقابل، ادعى لوپس وزوجته، عبر محامي الدفاع، أن الجمعية مدينة له بنحو مليون شيكل نتيجة علاقات العمل، وأنه غير ملزم بإعادة أي أموال. كما زعم أن جميع النفقات التي قام بها كانت بعلم وموافقة المسؤولين عنه، ولم تُسحب أي أموال دون إذن.
غير أن القاضي بورشتاين رفض هذه الادعاءات، مشيرًا إلى أن لوپس لم يتقدم في أي مرحلة بدعوى أمام محكمة العمل للمطالبة بحقوقه المزعومة، وهو ما اعتبرته المحكمة مؤشرًا مريبًا يقوض روايته بالكامل.
اعتراف يدين صاحبه
جاء في حيثيات الحكم أن لوپس اعترف فعليًا بأنه سحب في عام 2018 وحده نحو ربع مليون شيكل من أموال اليشيڤا، وهو ما يناقض إنكاره السابق. واعتمدت المحكمة جدولًا قدمته الجهة المدعية، خلص إلى أن مجموع المبالغ المنهوبة بلغ 565 ألف شيكل.
وأكد القاضي أن طريقة تحويل الأموال بحد ذاتها تشكل خرقًا جسيمًا لواجب الأمانة والثقة، وهي مخالفة خطيرة عندما تصدر عن مدير مؤسسة دينية يفترض أنها قائمة على القيم والتقوى.
نزهات على حساب الفقراء
أثبتت المحكمة كذلك أن المدير السابق موّل نزهات في «عين تسوريم»، وعمليات تسوق في متاجر مثل «يلو» و«معيان 2000»، مستخدمًا أموال التبرعات. كما حوّل شيكات لأحد أقاربه بمبلغ يقارب 8 آلاف شيكل.
وشهدت سكرتيرة اليشيڤا بأن لوپس كان يحمل دفتر الشيكات الخاص بالمؤسسة بشكل دائم، وأن غالبية الشيكات كانت تُكتب بخط يده، في صورة تعكس غياب أي منظومة رقابة داخلية حقيقية.
صورة فاضحة للمؤسسة
في خلاصة حكمه، رسم القاضي صورة قاتمة لأداء الطرفين، مشيرًا إلى أن الجمعية الدينية نفسها لم تعمل بشكل منظم ولم تفرض رقابة جدية على إدارتها، ما أتاح للمدير التنفيذي «التصرف في أموالها كأنها ملكه الخاص».
غير أن هذا التوصيف لا يحجب الحقيقة الأعمق: مؤسسات دينية إسرائيلية ترفع راية “الأخلاق والتوراة”، بينما تغرق في الفساد المالي، وتُستخدم في الوقت ذاته كحاضنة فكرية لتحريض دموي ضد الفلسطينيين، وتبرير جرائم الإبادة والتهجير باسم الدين.
حكم بالإعادة والغرامة
في نهاية المطاف، قضت المحكمة بإلزام إيتمار لوپس وزوجته بإعادة مبلغ 601,431 شيكل إلى الجمعية، إضافة إلى 50 ألف شيكل كتعويض عن أتعاب المحاماة والمصاريف القضائية.
القضية، كما تعكسها وقائع الحكم، لا تمثل حالة فردية معزولة، بل تكشف جانبًا بنيويًا من التناقض داخل المجتمع الديني الإسرائيلي: خطاب أخلاقي متشدد في العلن، يقابله فساد، نهب، وانحلال أخلاقي في الممارسة، في ظل صمت سياسي وإعلامي طالما برّر الجرائم الأكبر باسم “الدين” و“الهوية”.










