أكد ديفيد إغناتيوس أن التصعيد الذي أثاره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند خلال منتدى دافوس لم يكن مجرد زلة خطابية عابرة، بل مثّل «صدمة نافعة» غير مقصودة للقارة الأوروبية. هذه الصدمة، بحسب الكاتب، أجبرت العواصم الأوروبية على مواجهة حقيقة اعتمادها المزمن على الولايات المتحدة، ووضعت مسألة الاستقلال الاقتصادي والأمني على رأس جدول الأعمال.
ويشير إغناتيوس، في مقال بصحيفة في واشنطن بوست، إلى أن تهديد ترامب بغزو جرينلاند ثم تراجعه عنه خطف العناوين، لكنه أخفى نقاشًا أعمق وأكثر خطورة دار في كواليس المنتدى. فدافوس هذا العام لم يكن ساحة مجاملات، بل منصة تمرّد أوروبي علني على نهج واشنطن، وكسر تقليد الصمت والتجاهل الذي كان يغلّف العلاقة عبر الأطلسي.
تمرّد أوروبي
بحسب الكاتب، تخلّى القادة الأوروبيون هذا الأسبوع عن افتراضٍ ظل راسخًا لعقود، مفاده أن اقتصاداتهم ستنتعش تلقائيًا طالما بقيت تحت مظلة الهيمنة الأمريكية. ففي الولاية الثانية لترامب، تحوّل التحالف عبر الأطلسي من شراكة استراتيجية إلى علاقة تقوم على الرسوم الجمركية، والضغوط السياسية، والإهانات العلنية.
وتنقل واشنطن بوست أجواءً غير مسبوقة من التوتر، حيث باتت أوروبا ترى في السلوك الأمريكي تهديدًا مباشرًا لمكانتها الاقتصادية والسياسية. هذا التحول، كما يوضح إغناتيوس، لم يعد نظريًا، بل بدأ ينعكس في خطاب علني وسياسات قيد التشكل.
كندا والقطيعة
ينقل الكاتب عن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قوله في خطاب بدافوس: «نحن في لحظة تصدّع، لا انتقال… عندما لا تعود القواعد تحميك، عليك أن تحمي نفسك». هذا التصريح، وفق الصحيفة، لخص المزاج العام لدى عدد من الدول الغربية التي كانت تُعدّ تاريخيًا ضمن الدائرة الأقرب لواشنطن.
وأشار كارني إلى أن كندا تتجه نحو إجراءات استقلالية، تشمل بناء شراكات استراتيجية جديدة، بما في ذلك مع الصين. هذا التوجّه، كما يلفت إغناتيوس، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة للأمن أو الازدهار.
فرنسا والاختلال
في السياق نفسه، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بحسب المقال، على أن الاقتصاد الأوروبي «لا يزال متأخرًا عن الاقتصاد الأمريكي». ودعا إلى إصلاحات عميقة تعالج مكامن الضعف البنيوية داخل الاتحاد الأوروبي، مع التأكيد على أن أوروبا، رغم بطئها، تمثل نموذجًا للاستقرار والموثوقية مقارنة بالنهج الأمريكي المتقلب.
ويرى إغناتيوس أن خطاب ماكرون يجمع بين النقد الذاتي والتحذير السياسي، إذ يربط التراجع الأوروبي بعدم مواكبة الطفرة التكنولوجية الأمريكية، وفي الوقت ذاته يحمّل السياسات الأمريكية مسؤولية زعزعة أسس الشراكة القديمة.
إهانات دبلوماسية
تلفت واشنطن بوست إلى أن وجود مسؤولي إدارة ترامب في دافوس، وما وُصف بنبرة استعلائية في بعض اللقاءات، أسهم في توحيد الموقف الأوروبي بدل تفتيته. ويشير المقال إلى حادثة انسحاب رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد من عشاء رسمي، بعد أسلوب حديث اعتبرته مهينًا من وزير التجارة الأمريكي.
هذه الواقعة، وفق إغناتيوس، لم تكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل مؤشرًا على تآكل الاحترام المتبادل، وعلى أن الأزمة لم تعد محصورة في الملفات الكبرى، بل تمتد إلى السلوك اليومي لإدارة ترامب تجاه حلفائها.
تابع اقتصادي
يوضح الكاتب أن الغضب الأوروبي لا يقتصر على ملف جرينلاند، بل يرتبط بما وصفه ماكرون بمحاولة «تحويل أوروبا إلى تابع اقتصادي». ففي الوقت الذي تتسارع فيه الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، تعاني أوروبا من قيود تنظيمية صارمة وضرائب مرتفعة تكبح النمو.
وتشير الصحيفة إلى أن هذا الخلل البنيوي بات يُنظر إليه كتهديد استراتيجي، لا مجرد مشكلة اقتصادية، خاصة مع اتساع الفجوة بين ضفتي الأطلسي في مجالات الابتكار والاستثمار.
يوم تحرير أوروبي
بحسب واشنطن بوست، بدأ قادة أوروبيون يتحدثون عن «يوم تحرير» خاص بالقارة، يقوم على تنويع الشراكات التجارية مع أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. كما يشمل هذا التوجّه إعادة صياغة العلاقة مع الصين، بعيدًا عن الإملاءات الأمريكية، إلى جانب إطلاق إصلاحات داخلية تقلص القيود التنظيمية وتخفف العبء الضريبي.
وتنقل الصحيفة عن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تأكيدها أن أوروبا تحتاج إلى «عقلية استعجال» في الإصلاح الاقتصادي. وشددت على أن العالم «تغير بشكل دائم»، وأن على أوروبا أن تتغير معه بدل التمسك بنماذج لم تعد صالحة.
تحذيرات دراجي
يستعرض إغناتيوس تقريرًا سابقًا لرئيس البنك المركزي الأوروبي الأسبق ماريو دراجي، حذّر فيه من اتساع الفجوة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كما نبّه إلى تراجع أوروبا في الثورة الرقمية، وهجرة عدد كبير من الشركات الناشئة بسبب الضرائب المرتفعة والتنظيمات الصارمة.
ويشير الكاتب إلى أن فشل القادة الأوروبيين سابقًا في تنفيذ هذه الإصلاحات ساهم في استمرار الركود. لكنه يرى أن سياسات ترامب، ولا سيما أزمة غرينلاند، قد تكون العامل الذي كسر هذا الجمود وأجبر أوروبا على إعادة التفكير.
تحالف لن يعود
يخلص المقال إلى أن تراجع ترامب عن مطالبه بشأن جرينلاند، في ظل موقف أوروبي موحد وتراجع في الأسواق الأمريكية، شكّل لحظة إنذار حقيقية. ويرى إغناتيوس أن التحالف عبر الأطلسي لن ينهار، لكنه «لن يعود كما كان».
وبحسب واشنطن بوست، فإن أوروبا خرجت من دافوس وهي أكثر وعيًا بأن الاعتماد على واشنطن لم يعد خيارًا آمنًا، وأن الاستقلال الاستراتيجي لم يعد شعارًا نظريًا، بل ضرورة فرضتها سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه.










