الجالية الفلسطينية بتشيلي: "مجلس السلام" محاولة لاستبدال حقوق الشعوب بصفقات سياسية
تشهد الساحة السياسية في تشيلي حالة من الترقب والقلق الشديدين في أعقاب صدور بيان حازم عن الجالية الفلسطينية هناك، تعقيباً على المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت مسمى "مجلس السلام".
هذا التحرك الذي وصفته الجالية بأنه محاولة للالتفاف على الشرعية الدولية، يأتي في توقيت حساس تمر به تشيلي بعد التحولات السياسية الأخيرة التي شهدتها صناديق الاقتراع، مما يضع السياسة الخارجية للبلاد أمام اختبار حقيقي بين إرث الدفاع عن حقوق الإنسان والتوجهات اليمينية الصاعدة التي تبدي تقارباً واضحاً مع السياسات الإسرائيلية والأمريكية المتطرفة.
قلق من تفريغ النظام الدولي من مضمونه
أعربت الجالية الفلسطينية في تشيلي، عبر بيان رسمي موجه للرأي العام، عن متابعتها ببالغ الاهتمام والقلق للمبادرة الأمريكية الجديدة، مؤكدة أن "مجلس السلام" الذي يروج له ترامب كآلية لمعالجة النزاعات الدولية، ولا سيما في قطاع غزة وفلسطين، ليس إلا واجهة لتكريس سياسة القوة على حساب العدالة.
وأوضح البيان أن أي مقترح يُطرح تحت مسمى السلام يجب أن يخضع لفحص دقيق ومسؤول، محذراً من أن هذه المبادرات تساهم في الإضعاف التدريجي للنظام الدولي القائم على القواعد، وتعمل على تفريغ التعددية الدولية من جوهرها، مما يحول القانون الدولي من مرجعية ناظمة للنزاعات إلى إطار ثانوي يمكن تجاوزه بسهولة لتمرير صفقات سياسية لا تخدم السلم العالمي.
وشددت الجالية في ثنايا بيانها على أن طرح مسارات للسلام خارج مظلة الأمم المتحدة وقراراتها التاريخية يعد سابقة خطيرة، حيث يتم تجريد مفهوم السلام من بعده الأخلاقي والقانوني المرتبط بتحقيق العدالة، ليتحول إلى مجرد ممارسة للقوة وفرض الأمر الواقع.
هذا التوجه، بحسب البيان، يوجه رسالة مدمرة لمنظومة العدالة الدولية، خاصة وأنه يتجاهل المبادئ الأساسية التي قامت عليها العلاقات الدولية منذ عقود، ويسعى لاستبدال صوت الشعوب بهياكل خارجية مصطنعة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية الشعبية أو القانونية.
عضوية نتنياهو: تناقض صارخ مع العدالة الدولية
ولعل النقطة الأكثر إثارة للجدل في مبادرة ترامب، والتي ركزت عليها الجالية الفلسطينية بقوة، هي تركيبة "مجلس السلام" بحد ذاته. فقد استهجنت الجالية إشراك رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذه الهيئة، وهو الذي يواجه اتهامات صريحة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أمام المحكمة الجنائية الدولية.
واعتبر البيان أن إدراج شخصية ملاحقة دولياً بتهم القتل والإبادة ضمن مجلس يُفترض به أن يكون ضامناً للسلام العالمي يمثل تناقضاً أخلاقياً لا يمكن تجاوزه أو تبريره بأي حال من الأحوال، مؤكدة أن تطبيع وجود المتهمين بالجرائم الدولية في هرم القيادة الدبلوماسية يعني تقويضاً كاملاً لمبدأ المساءلة والمحاسبة.
وأشارت الجالية إلى أن التجربة الفلسطينية المريرة على مدى عقود أثبتت فشل ومخاطر المقاربات التي تُفرض من الخارج، حيث كان الشعب الفلسطيني دوماً هدفاً لخطط ومجالس وصيغ إدارية تُصاغ في غرف مغلقة دون مشاركة حقيقية منه.
وأكدت أن السلام لا يمكن أن يُبنى عبر اختزال نضال سياسي وتاريخي وقانوني لشعب كامل إلى مجرد "مسألة إدارية" أو "مشروع إعادة إعمار"، مشددة على ضرورة الاعتراف بالشعب الفلسطيني كفاعل سياسي كامل الحقوق له السيادة المطلقة في رسم مستقبله وتقرير مصيره بعيداً عن الوصاية الخارجية.
تشيلي بين إرث "بوريك" وتوجهات "كاست" اليمينية
يأتي هذا البيان في ظل منعطف سياسي كبير تعيشه تشيلي، حيث أسفرت انتخابات منتصف كانون الأول/ديسمبر 2025 عن فوز مرشح أقصى اليمين خوسيه أنطونيو كاست بنسبة 58% من الأصوات.
ومن المقرر أن يتسلم كاست مهامه في مارس المقبل خلفاً للرئيس الحالي غابرييل بوريك، الذي عُرف بمواقفه الصلبة والمبدئية في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والتي وصلت إلى حد تعليق العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب بعد أحداث أكتوبر 2023. الفارق الجوهري بين الرئيسين يضع الجالية الفلسطينية أمام تحدٍ كبير، خاصة وأن كاست يُعد من أبرز الداعمين لإسرائيل في القارة اللاتينية.
لقد وصف كاست خلال حملته الانتخابية سياسات بوريك الخارجية بأنها "أيديولوجية وغير مسؤولة"، وتعهد بإعادة ضبط العلاقات مع إسرائيل، بل وذهب إلى أبعد من ذلك باتهام بوريك بمعاداة السامية لاستبعاده إسرائيل من معارض عسكرية وتجارية.
هذا التحول الجذري في الرئاسة التشيلية يثير مخاوف الجالية من أن تنجرف تشيلي بعيداً عن سيادتها الدبلوماسية المعهودة والتزامها بالتعددية الدولية، لتدخل في فلك المبادرات الأمريكية التي قد تضر بمكانة تشيلي التاريخية كمدافع عن حقوق الإنسان في المحافل الدولية.
غياب تشيلي عن دعوات ترامب وثبات الموقف الفلسطيني
ورغم التوجهات اليمينية للرئيس المنتخب كاست، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أن دونالد ترامب لم يوجه دعوة رسمية لتشيلي للانضمام إلى "مجلس السلام" حتى الآن، حيث اقتصرت الدعوات في أمريكا اللاتينية على الأرجنتين والباراغواي والبرازيل.
ومع ذلك، فإن التحذير الاستباقي للجالية الفلسطينية يهدف إلى قطع الطريق على أي محاولة لجر تشيلي إلى هذا المسار مستقبلاً، مؤكدة أن السلام الدائم لا يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال والاعتراف الكامل بالحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها حق تقرير المصير.
وختمت الجالية بيانها بالتأكيد على أن أي مبادرة تتجاهل القانون الدولي وتغذّي سياسة الإفلات من العقاب لن تسهم إلا في زيادة عدم الاستقرار العالمي.
وحذرت من خطورة الترويج لآليات تتهرب من المسؤولية القانونية في وقت يشهد فيه العالم انتهاكات جسيمة وإبادة جماعية يتم بثها على الهواء مباشرة، مطالبة الحكومة التشيلية القادمة بالحفاظ على اتساقها مع القانون الدولي وعدم استبدال العدالة بصفقات سياسية مجردة من الالتزامات الأخلاقية.










