في مقاله بصحيفة "إسرائيل اليوم" الموالية لليمين المتطرف وائتلاف نتنياهو، شرع المؤرخ الإسرائيلي إيال زيسر في استدعاء اقتحام سجن الباستيل وبدايات الثورة الفرنسية، ثم يقارنها بالثورة السورية، ليصل في النهاية إلى إيران، في محاولة لإقناع القارئ بأن ما يجري هناك ليس احتجاجات معيشية أو سياسية متقطعة، بل «بداية حتمية» لانهيار النظام. هذا البناء السردي ليس بريئًا، بل يقوم على إسقاط تجارب تاريخية مختلفة جذريًا على سياق إيراني معقّد، متجاهلًا الفوارق البنيوية بين دولة مركزية ذات مؤسسات أمنية متماسكة، وبين أنظمة تفككت تدريجيًا بفعل حروب داخلية وتدخلات خارجية مباشرة.
الكاتب يتعامل مع مفهوم «الثورة» بوصفه مسارًا خطيًا لا عودة عنه، متناسيًا أن إيران شهدت موجات احتجاج متكررة منذ سنوات، بعضها أوسع وأعنف من موجة المقال، ومع ذلك لم تؤدِّ إلى انهيار النظام. هنا، تتحول الاستعارة التاريخية إلى أداة تضليل، لا تحليل.
قطار التغيير.. لغة أمنية متنكرة
يستخدم زيسر تعبير «قطار التغيير غادر محطة طهران» باعتباره حقيقة قائمة، لا فرضية قابلة للنقاش. هذا الأسلوب يعكس ذهنية أمنية إسرائيلية كلاسيكية ترى في أي اضطراب داخلي بدولة معادية فرصة استراتيجية يجب تضخيمها إعلاميًا وتحويلها إلى مسار حتمي. اللافت أن الكاتب لا يقدّم أي مؤشرات بنيوية على تفكك الدولة الإيرانية، بل يكتفي بوصف الغضب الشعبي والضائقة الاقتصادية، وهما عاملان حاضران في معظم دول المنطقة، بما فيها حلفاء أمريكا أنفسهم.
اللغة هنا ليست توصيفية بل تحريضية، تُراد منها صناعة وعي سياسي يسبق الحدث، ويمهّد لتبرير أي تدخل خارجي لاحق تحت عنوان «اللحظة التاريخية المناسبة».
الاحتجاجات وسؤال الدعم الخارجي
يتعامل المقال مع الاحتجاجات الإيرانية بوصفها حركة داخلية خالصة، في تجاهل متعمد لحقيقة الدعم السياسي والإعلامي الغربي–الإسرائيلي لها. فإسرائيل والولايات المتحدة لم تُخفيا يومًا رهانَهما على توظيف أي اضطراب داخلي في إيران ضمن استراتيجية «الضغط الأقصى»، سواء عبر العقوبات أو الحرب النفسية أو العمليات السرية.
التشكيك هنا لا يستهدف حق الإيرانيين في الاحتجاج، بل يطال محاولة تحويل هذه الاحتجاجات إلى أداة جيوسياسية. فحين تُرفع المظاهرات إلى مستوى «الفرصة التاريخية لإسقاط النظام» في الإعلام الإسرائيلي، يصبح من المشروع التساؤل: هل ما يُسوَّق كثورة شعبية يُترك فعلاً لمساره الطبيعي، أم يُدفع دفعًا نحو سيناريو يخدم خصوم إيران؟
ترامب في قلب المعادلة
يمنح زيسر دونالد ترامب دور «اللاعب المتردد» الذي ينتظر نضوج الظروف لتوجيه ضربة حاسمة لإيران. لكنه في الوقت نفسه يقرّ بأن ترامب لا تحركه اعتبارات حقوق الإنسان أو الديمقراطية، بل منطق القوة وتسجيل الانتصارات السريعة أمام ناخبيه. هذا التناقض يكشف جوهر السردية: الاحتجاجات ليست هدفًا بحد ذاتها، بل أداة ضمن حسابات أمريكية–إسرائيلية أوسع.
المقال يلمّح بوضوح إلى أن المتظاهرين أنفسهم قد يوفرون الذريعة للتدخل، وهو اعتراف غير مباشر بأن المسار الاحتجاجي يُراد له أن يُستدرج إلى مواجهة مفتوحة، لا أن يحقق إصلاحات داخلية تدريجية.
إسرائيل والبحث عن الحرب المؤجلة
في ختام مقاله، لا يخفي زيسر أن إسرائيل ترى المواجهة مع إيران مسألة وقت، وأنها قد تضطر للتحرك منفردة إذا لم يقم ترامب «بالمهمة». هنا تتكشف الخلفية الحقيقية للنص: ليس قراءة في الداخل الإيراني، بل تهيئة ذهنية للرأي العام الإسرائيلي والدولي لاحتمال الحرب، عبر تصوير النظام الإيراني ككيان آيل للسقوط، وأي ضربة له كدفعة أخيرة لا أكثر.
بهذا المعنى، يصبح التشجيع على «عقد الآمال على المتظاهرين» جزءًا من استراتيجية ضغط، لا تعاطفًا مع مطالب شعبية. وهو ما يعزز الشكوك حول طبيعة هذا الدعم، وحدود استقلالية الحراك عن الأجندات الخارجية.
ما بين الوهم والواقع
يعكس مقال زيسر رغبة إسرائيلية قديمة في رؤية إيران تتفكك من الداخل، لكنه يفشل في تقديم دليل مقنع على أن الاحتجاجات الحالية تمثل لحظة كسر تاريخية. الأرجح أن ما يُكتب هنا هو تمنٍّ استراتيجي أكثر منه تحليلًا واقعيًا، ومحاولة لاستباق الفشل المحتمل لأي مواجهة عسكرية عبر تحميل الداخل الإيراني دور «القاطرة».
وإذا كنا لا يمكن أن نخفي وجود احتجاجات وغضب حقيقيين في إيران، لكن يجب وضعهما في سياقهما الصحيح: حراك اجتماعي–سياسي تُبالغ إسرائيل وأمريكا في تضخيمه، أملاً في توظيفه، لا احترامًا لإرادته.







