بإعلان الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين 26 يناير 2026، العثور على جثمان آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة، يكون أحد أكثر الملفات حساسية في الحرب قد أُغلق رسميًا، وللمرة الأولى منذ عام 2014 تعلن إسرائيل أنه لا يوجد أي أسرى لها داخل القطاع. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل سيلتزم الاحتلال بتسريع المرحلة الثانية من اتفاق غزة؟
هذا الإعلان، الذي جاء بعد عملية عسكرية معقّدة شملت نبش أكثر من 200 قبر في مناطق مختلفة من غزة، لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا سياسيا أو تقنيًا فحسب، بل يمثل نقطة تحوّل سياسية وأمنية عميقة، تعيد ترتيب أوراق التفاوض، وتغيّر قواعد المرحلة المقبلة من الصراع.
من الصفقة إلى الإملاء
طوال أشهر الحرب، شكّل ملف الأسرى الورقة الأكثر قوة بيد المقاومة الفلسطينية، والضغط الأشد على الحكومة الإسرائيلية داخليًا وخارجيًا. ومع انتهاء هذا الملف، تنتقل إسرائيل من موقع «المضطر للتفاوض» إلى محاولة استعادة منطق الإملاء، أو على الأقل تحييد آخر أوراق الضغط الاستراتيجية التي واجهتها.
لكن المفارقة أن إغلاق الملف لم يتم عبر صفقة تبادل، بل عبر عمليات عسكرية وعمليات نبش مقابر، وهو ما يعكس فشلًا مركبًا: عجز عن استعادة الأسرى أحياء، وعجز عن فرض معادلة ردع تمنع استمرار الحرب دون ثمن أخلاقي وسياسي باهظ.
هل ينعكس ذلك على المرحلة الثانية؟
عمليًا، نعم.. ولكن ليس بالضرورة كما تروّج إسرائيل. فالمرحلة الثانية من أي مسار تفاوضي – سواء أكان بوساطة أمريكية أم إقليمية – كانت مرهونة بعنصرين: الأول هو ملف الأسرى الإسرائيليين، والثاني إدارة غزة ومعابرها.
بانتهاء العنصر الأول، تصبح المرحلة الثانية أقل تعقيدًا من الناحية التقنية، لكنها أكثر خطورة سياسيًا، لأن إسرائيل ستسعى لتعويض غياب ورقة الأسرى عبر تشديد شروطها في ملفات أخرى: نزع السلاح، إعادة الانتشار، والرقابة على المعابر.
بمعنى آخر: انتهاء ملف الأسرى لا يعني تلقائيًا تسريع المرحلة الثانية، بل قد يعني إعادة تعريفها بشروط إسرائيلية أكثر تشددًا، ما لم تُواجَه بضمانات دولية حقيقية.
معبر رفح: هل بات فتحه مؤكدًا؟
هنا بيت القصيد. من الناحية الشكلية، تنتفي الذريعة الإسرائيلية الأبرز لتعطيل فتح معبر رفح، والمتمثلة في «المخاوف الأمنية المرتبطة بتهريب الأسرى أو احتجازهم». كما أن الولايات المتحدة، التي لعبت دورًا مركزيًا في إدارة الصفقة «تحت النار»، لم تعد قادرة على تبرير استمرار الإغلاق بالمنطق ذاته.
لكن من الناحية الواقعية، فإن فتح معبر رفح ليس تحصيل حاصل، بل ساحة اشتباك جديدة.

إسرائيل ستسعى لربط فتح المعبر بشروط إضافية، أبرزها آلية رقابة أمنية موسعة، ودور إسرائيلي غير مباشر في إدارة المعبر، وفصل رفح عن أي تصور سيادي فلسطيني مستقل.
وفي المقابل، ترى القاهرة أن فتح المعبر دون شروط إسرائيلية هو اختبار حقيقي لصدقية الضمانات الأمريكية، ولما إذا كانت المرحلة التالية انتقالًا سياسيًا أم مجرد إعادة تدوير للحصار بأدوات جديدة.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
انتهاء ملف الأسرى يغيّر شكل التفاوض، لا جوهر الصراع. يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الملفات، لكنه لا يضمن وقفًا دائمًا لإطلاق النار، أو فتحًا غير مشروط لمعبر رفح، ولا انتقالًا سلسًا للمرحلة الثانية. بل ينقل الصراع من ضغط إنساني داخلي على إسرائيل، إلى مواجهة سياسية مفتوحة حول مستقبل غزة، وحدود السيادة، ودور المعابر.
إسرائيل أغلقت ملف الأسرى، لكنها لم تُغلق الحرب. وقد تخلّصت من عبء داخلي ثقيل، لكنها فتحت على نفسها اختبارًا أصعب: هل ستلتزم بالمرحلة الثانية دون أوراق ضغط حقيقية؟
أما معبر رفح، فهو لم يعد سؤالًا تقنيًا، بل سؤال سيادة. وفتحه لن يكون نتيجة العثور على جثة، بل نتيجة توازنات سياسية لم تُحسم بعد.










