21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الخليل: من الاقتحام إلى التمركز الدائم.. الاحتلال يقيم مواقع عسكرية داخل الأحياء السكنية

تشهد الخليل تصعيدًا نوعيًا في سياسات الاحتلال الإسرائيلي، مع توجه واضح نحو تثبيت الوجود العسكري داخل الأحياء الفلسطينية، في خطوة تتجاوز العمليات المؤقتة إلى فرض واقع أمني دائم

بقلم: شيماء مصطفى
٢٨ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
الخليل: من الاقتحام إلى التمركز الدائم.. الاحتلال يقيم مواقع عسكرية داخل الأحياء السكنية

الخليل: من الاقتحام إلى التمركز الدائم.. الاحتلال يقيم مواقع عسكرية داخل الأحياء السكنية

تشهد الخليل تصعيدًا نوعيًا في سياسات الاحتلال الإسرائيلي، مع توجه واضح نحو تثبيت الوجود العسكري داخل الأحياء الفلسطينية، في خطوة تتجاوز العمليات المؤقتة إلى فرض واقع أمني دائم. هذا التحول، الذي يأتي عقب حملة عسكرية واسعة لم تحقق نتائج تتناسب مع حجمها، يطرح تساؤلات عميقة حول أهداف الاحتلال الحقيقية، وانعكاساتها السياسية والأمنية على المدينة وسكانها، وعلى مستقبل السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

الخليل ومغزى إقامة مواقع عسكرية 

قرار جيش الاحتلال إقامة مواقع عسكرية ثابتة داخل أحياء فلسطينية في الخليل يمثل تحولًا لافتًا في نمط الانتشار العسكري، إذ ينتقل من منطق الحملات المحدودة زمنياً إلى سياسة التمركز الدائم وسط التجمعات السكنية. هذه الخطوة تعني عمليًا تكريس الوجود الميداني للاحتلال داخل النسيج العمراني الفلسطيني، بما يحمله ذلك من تداعيات على الحياة اليومية للسكان، من قيود على الحركة، وتكثيف نقاط التفتيش، ورفع مستوى الاحتكاك المباشر.

ويأتي هذا التوجه بعد عملية عسكرية استمرت أسبوعًا كاملًا، استخدم خلالها الجيش ناقلات جند مدرعة وقناصة وطائرات مسيّرة، وهي أدوات لم تُستخدم في الخليل بهذا الشكل منذ الانتفاضة الثانية عام 2000، ما يعكس مستوى التصعيد وخطورة الرهان الأمني الذي وضعه الاحتلال على هذه الحملة.

الخليل بين استعراض القوة ومحدودية النتائج

رغم الزخم العسكري الكبير، انتهت العملية في الخليل بضبط 8 قطع سلاح فقط واعتقال 14 فلسطينيًا، بعد مداهمة نحو 350 منزلًا. هذه الحصيلة المحدودة كشفت فجوة واضحة بين التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية السابقة والواقع الميداني، حيث كانت الأجهزة الأمنية تزعم وجود سلاح في واحد من كل ستة منازل فلسطينية في الضفة الغربية.

ووصفت الصحافة الإسرائيلية النتائج بأنها “محبطة”، لا سيما أن هذا “الحصاد الأمني” يمكن تحقيقه، وفق التقرير، خلال نشاط أمني روتيني قصير، وليس عبر عملية واسعة استُنزفت فيها مئات الجنود والموارد. هذا الفشل النسبي يعزز الانطباع بأن الهدف لم يكن فقط مصادرة السلاح، بل اختبار نموذج أمني جديد في الخليل يقوم على السيطرة الميدانية المستمرة.

مداهمات واعتقالات في الخليل: أمن أم ضغط جماعي؟

شهدت الخليل خلال الحملة العسكرية اقتحامات مكثفة، خاصة في حي جبل جوهر المطل على مستوطنة “كريات أربع”، حيث داهمت قوات الاحتلال مئات المنازل وفرضت حصارًا مشددًا على السكان. ورغم عدم تسجيل اشتباكات مسلحة، إلا أن هذا النمط من العمليات يعكس سياسة ضغط جماعي تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والاجتماعية في المدينة.

وتشير المعطيات إلى أن العملية جرت بتنسيق مع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، ما يضيف بعدًا سياسيًا معقدًا للمشهد في الخليل، ويطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التنسيق وحدوده في ظل توسيع الاحتلال لانتشاره العسكري داخل الأحياء الفلسطينية.

حماية المستوطنات أم فرض السيطرة؟

يبرر الاحتلال قراره بالإبقاء على قواته داخل بعض أحياء الخليل بذريعة “تعزيز حماية التجمعات الاستيطانية”، في مقدمتها مستوطنة “كريات أربع”. غير أن هذا التبرير يكشف في جوهره عن أولوية أمن المستوطنين على حساب حقوق السكان الفلسطينيين، وتحويل الأحياء الفلسطينية إلى مناطق عازلة تخضع لرقابة عسكرية دائمة.

تصريحات قادة الجيش، التي تؤكد عدم السماح “بإطلاق النار من الأحياء الفلسطينية” حتى لو لم يكن موجهًا ضد الاحتلال، تعكس سياسة عقابية وقائية تفتح الباب أمام مزيد من القيود والتدخلات، وتمنح الجيش هامشًا واسعًا لفرض إجراءاته داخل الخليل.

الخليل كنموذج لمرحلة أمنية جديدة

يرى مراقبون أن ما يجري في الخليل لا يمكن فصله عن سياق أوسع يسعى فيه الاحتلال إلى إعادة هندسة السيطرة الأمنية في الضفة الغربية، عبر تثبيت مواقع عسكرية داخل المدن الفلسطينية بدل الاكتفاء بالاقتحامات الدورية. هذا النهج يهدف إلى خلق واقع ميداني دائم، يقلص من قدرة الفلسطينيين على الحركة والمقاومة، ويمنح الاحتلال حضورًا مباشرًا في قلب المدن.

في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن الخليل باتت مختبرًا لسياسة أمنية أكثر تشددًا، تستخدم الذرائع الأمنية لتبرير تكريس الاحتلال داخل الأحياء الفلسطينية، في خطوة مرشحة لمفاقمة التوتر، وتعميق معاناة السكان، وفرض معادلة جديدة عنوانها السيطرة الدائمة بدل العمليات المؤقتة.

 

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال