تناولت صحيفة الجارديان البريطانية، في مقال للكاتب بيتر فرانكوبان بعنوان: «زيارة ستارمر المتوترة إلى الصين ستكشف عن رأيه الحقيقي في مكانة بريطانيا في العالم»، الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الصين هذا الأسبوع، والتي تُعد الأولى من نوعها لرئيس وزراء بريطاني منذ زيارة تيريزا ماي إلى بكين عام 2018.
ويرى الكاتب أن هذه الزيارة لا تحمل طابعًا بروتوكوليًا عاديًا، بل تمثل لحظة اختبار حقيقية لكيفية رؤية الحكومة البريطانية الجديدة لدور لندن في نظام دولي يشهد تحولات عميقة في موازين القوة.
توتر ما بعد 2018
يشير فرانكوبان إلى أن العلاقات بين لندن وبكين ازدادت توترًا بشكل ملحوظ منذ آخر زيارة رسمية رفيعة المستوى، حيث باتت العلاقة محكومة بثنائية معقدة تجمع بين مخاوف أمنية متصاعدة وترابط اقتصادي عميق يصعب تفكيكه.
هذا التوتر، بحسب الكاتب، يعكس حالة أوسع من الشك السياسي والشعبي تجاه الصين داخل بريطانيا، في وقت لم تعد فيه لندن قادرة على تجاهل وزن بكين الاقتصادي والجيوسياسي.
هواجس أمنية متصاعدة
تستند هذه الشكوك إلى وقائع حديثة، أبرزها ما كشفت عنه وزارة الخارجية البريطانية في ديسمبر الماضي حول تعرضها لهجوم إلكتروني متواصل قبل شهرين، يُشتبه في أن مجموعة صينية تُعرف باسم “ستورم 1849” تقف وراءه.
ويرى الكاتب أن هذه الحوادث عمّقت الإحساس داخل دوائر صنع القرار البريطانية بأن الصين لم تعد مجرد شريك اقتصادي صعب، بل فاعل أمني مباشر يفرض تحديات جديدة على مفهوم السيادة والأمن القومي.
نفوذ لندن الدولي
وعلى الرغم من أجواء التوتر وانعدام الثقة، يؤكد فرانكوبان أن بريطانيا لا تزال لاعبًا أساسيًا في المنظومة الجيوسياسية العالمية، بوصفها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، ودولة نووية، وعضوًا في مجموعة السبع.
ورغم تراجعها النسبي في مؤشرات الاستثمار مقارنة ببقية دول المجموعة، فإن لندن، بحسب الكاتب، ما زالت تحتفظ بنفوذ سياسي ومالي لا يمكن تجاهله على الساحة الدولية.
ثقل الصين المقابل
في المقابل، تدخل الصين طاولة أي تفاوض من موقع قوة هائل، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومحورًا رئيسيًا في التصنيع العالمي وسلاسل التوريد.
هذا الثقل يمنح بكين نفوذًا واسعًا في قضايا تمتد من أزمة المناخ إلى الاستقرار المالي العالمي، ويجعل من التعاون معها، من وجهة نظر براغماتية، أمرًا لا مفر منه بالنسبة لبريطانيا وأوروبا.
أهداف بكين الواضحة
يرى الكاتب أن أهداف الصين من الانفتاح على حكومة ستارمر واضحة نسبيًا، وتتمثل في ضمان موقف بريطاني وأوروبي أكثر قابلية للتنبؤ وأقل عدائية، والحد من الانتقادات الموجهة لسياساتها الداخلية والإقليمية.
كما تسعى بكين إلى الحفاظ على وصولها إلى الأسواق المالية البريطانية، وتعميق التعاون في مجالات التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا الخضراء والاستثمار طويل الأمد.
استراتيجية نفوذ طويلة
يشير فرانكوبان إلى أن سياسة الصين خلال العقود الثلاثة الماضية قامت على بناء شبكات استثمار عالمية بشكل منهجي، حيث جمعت بين التمويل والدبلوماسية والتجارة والمساعدات التنموية.
وقدمت بكين نفسها، في هذا السياق، كشريك يركز على النمو الاقتصادي بدلًا من فرض شروط تتعلق بالحوكمة أو الإصلاح السياسي، ما ترجم تدريجيًا إلى نفوذ واسع في الأسواق والموارد والدعم الدبلوماسي، خاصة داخل دول الجنوب العالمي.
أسئلة ستارمر الكبرى
يعتبر الكاتب أن هذا هو جوهر ما يجب أن يفكر فيه ستارمر عند وصوله إلى بكين: ما القواسم المشتركة الحقيقية بين الصين وبريطانيا؟ وأين تبدأ وتنتهي حدود التعاون الممكن؟
والأهم من ذلك، كيف ترى المملكة المتحدة نفسها في عالم متغير: هل بوصفها بوابة إلى أوروبا، أم تابعًا للولايات المتحدة، أم دولة في حالة تراجع، كما وصف دونالد ترامب أوروبا عمومًا بـ«الانحلال»؟
اعتماد عالمي متبادل
يؤكد فرانكوبان أن الشركات الصينية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من سلاسل التوريد العالمية التي تدعم كل شيء، من تحول الطاقة والتصنيع، وصولًا إلى السلع الاستهلاكية والبنية التحتية الرقمية.
ويخلص إلى أن هذه الحقيقة تعني أن العالم بات يحتاج إلى الصين أكثر مما تحتاج الصين إلى الآخرين، وهو ما يعزز موقعها التفاوضي ويجعلها منافسًا لا يمكن تجاهله.
اختبار الرؤية البريطانية
كل ما سبق، بحسب الكاتب، يجعل من زيارة بكين محطة تتطلب من ستارمر رؤية واضحة ودقيقة، تحدد ما الذي تريده بريطانيا من الصين، وما الذي تستطيع تقديمه في المقابل دون التفريط بمصالحها الاستراتيجية.
ويختتم فرانكوبان بأن أسلوب ستارمر في التعامل مع فرص وتحديات هذه الزيارة قد لا يحدد مصير رئاسته للوزراء مباشرة، لكنه يشكل جزءًا من السؤال الأوسع حول رؤيته لبريطانيا في هذه اللحظة الدولية المضطربة، وهي رؤية لا يزال كثيرون في الداخل البريطاني ينتظرون اتضاحها.









