هل يضحي البيت الأبيض بقوة الدولار من أجل الصادرات والمكاسب السياسية؟ (خاص)
تتصدر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المشهد المالي العالمي، حيث أحدثت مواقفه بشأن تراجع سعر صرف الدولار حالة من الارتباك والجدل الواسع في أروقة البنوك المركزية والبورصات العالمية.
ولم تعد هذه التصريحات تُصنف ضمن الآراء العابرة، بل باتت تُقرأ بوصفها استراتيجية اقتصادية جديدة تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة المالية الدولية.
وفي هذا الصدد، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد أبو قمر، أننا نعيش اليوم لحظة فارقة لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد تصريح ارتجالي، بل هو خطاب سياسي اقتصادي محسوب بدقة متناهية، خاصة وأنه يأتي في توقيت بالغ الحساسية للأسواق العالمية التي باتت تتحرك صعوداً وهبوطاً بناءً على إشارات البيت الأبيض التي تحرك العملات والمعادن والأسهم في دقائق معدودة.
ويوضح الباحث أحمد أبو قمر أن حديث ترمب عن كونه "غير قلق" من ضعف الدولار، ووصفه لهذا التراجع بالأمر "الرائع"، يحمل في طياته رسالة مزدوجة الأهداف؛ الأولى هي محاولة صريحة وجديدة للضغط على مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأمريكي) من أجل دفعه نحو خفض أسعار الفائدة بشكل أكثر عدوانية لتنشيط النمو.
أما الرسالة الثانية فهي موجهة للأسواق والشركاء التجاريين، ومفادها أن الإدارة الأمريكية الحالية مستعدة تماماً للتعايش مع دولار أضعف، بل وتشجيع هذا التوجه إذا كان سيخدم الأهداف السياسية والوعود الانتخابية المتعلقة بدعم التصنيع المحلي وتقليل العجز التجاري، وهو ما يضع استقرار النظام المالي العالمي القديم على المحك.
ضغوط هيكلية وتحديات الديون التريليونية
لكن الواقع الاقتصادي، كما يراه أبو قمر، يبدو أكثر تعقيداً من مجرد تصريحات سياسية متفائلة، فالدولار لا يتراجع في فراغ أو بناءً على رغبة رئاسية فحسب، بل يرزح تحت وطأة ضغوط هيكلية متراكمة تهدد مكانته كعملة احتياط أولى عالمياً.
وتتمثل هذه الضغوط في تصاعد التوترات الجيوسياسية الحادة، وصولاً إلى العجز القياسي في الموازنة الأمريكية، والديون العامة التي تجاوزت حاجز الـ 39 تريليون دولار في مطلع عام 2026.
هذه الأرقام الفلكية، مضافاً إليها الانقسامات السياسية الداخلية التي تهدد بإغلاقات حكومية متكررة، أدت إلى اهتزاز ثقة المستثمرين في قدرة واشنطن على إدارة ملفاتها المالية بمسؤولية، مما جعل العملة الخضراء عرضة لتقلبات حادة أمام سلة العملات الرئيسية.
وفي ظل هذا المشهد الضبابي، لم يكن غريباً أن نشهد الصعود التاريخي والمدوي للمعدن الأصفر، حيث قفزت أسعار الذهب لتتجاوز حاجز الـ 5500 دولار للأوقية، في علاقة عكسية واضحة مع تراجع قيمة الدولار.
ويؤكد الباحث أحمد أبو قمر أن هذا الارتفاع الجنوني للذهب يعكس حالة "اهتزاز الثقة" في العملات الورقية عموماً والدولار خصوصاً، حيث بدأت الصناديق السيادية والمستثمرون الأفراد في الهروب نحو الملاذات الآمنة التقليدية لحماية ثرواتهم من التضخم ومن تقلبات السياسة الأمريكية التي باتت تستخدم العملة كأداة ضغط سياسي أكثر من كونها معياراً للاستقرار المالي العالمي.
الميزة التنافسية مقابل المخاطرة طويلة الأمد
وعلى الرغم من أن النظرية الاقتصادية التقليدية تشير إلى أن الدولار الضعيف قد يمنح الصادرات الأمريكية ميزة تنافسية مؤقتة من خلال جعل المنتجات الأمريكية أرخص في الأسواق العالمية، إلا أن أبو قمر يحذر من أن الثمن قد يكون باهظاً جداً على المدى البعيد.
فاستقرار العملة هو حجر الأساس الذي تقوم عليه ثقة المستثمرين الأجانب في سوق السندات الأمريكية، والتي تعد أكبر سوق للديون في العالم. وأي إشارة سياسية تُفسّر على أنها استهانة بقوة العملة الوطنية قد تؤدي إلى نزوح جماعي لرؤوس الأموال بحثاً عن ملاذات أكثر أماناً واستقراراً، مما قد يرفع تكاليف الاقتراض على الحكومة الأمريكية ويزيد من حدة الأزمة المالية.
يبدو اليوم مكسباً سياسياً قصير الأجل للإدارة الأمريكية الحالية، قد يتحول سريعاً إلى مخاطرة اقتصادية وجودية طويلة الأمد وإن اللعب بورقة "الدولار الضعيف" في ظل ديون تريليونية وصعود قوى اقتصادية منافسة، يضع الاقتصاد الأمريكي في مواجهة عواصف قد لا تنتهي بمجرد تغيير في السياسات النقدية.
وكما أشار أحمد أبو قمر، فإن الأسواق العالمية لا ترحم، والثقة التي تُفقد في سنوات لا يمكن استعادتها بتصريح أو قرار، مما يجعل مستقبل "الأخضر الكبير" مرهوناً بقدرة واشنطن على موازنة طموحاتها السياسية مع ضرورات الاستقرار المالي العالمي.










