21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مصطفى رضوان لـ "180 تحقيقات": خطة كوشنير استثمار سياسي يرتدي ثوب الاقتصاد

مصطفى رضوان لـ "180 تحقيقات": خطة كوشنير استثمار سياسي يرتدي ثوب الاقتصاد

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
٣١ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
3ab1e2a4-54d3-483a-937f-7ae282b217a9

3ab1e2a4-54d3-483a-937f-7ae282b217a9

مصطفى رضوان لـ "180 تحقيقات": خطة كوشنير استثمار سياسي يرتدي ثوب الاقتصاد

 وضع الكاتب والمحلل الاقتصادي الفلسطيني مصطفى رضوان النقاط على الحروف فيما يخص الأبعاد الخفية والمخاطر الكامنة وراء خطة كوشنير الاقتصادية المطروحة للتعامل مع الشأن الفلسطيني، وتحديداً في قطاع غزة. 

ويرى رضوان في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن هذه الخطة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي المعقد، حيث تهدف في جوهرها إلى إحداث عملية "تحييد قسري" للبعد السياسي للقضية الفلسطينية، واستبداله برزمة من الإغراءات والامتيازات الاقتصادية التي تستهدف تحسين الدخل والمعيشة كبديل عن الحقوق الوطنية الثابتة. 

حيث قال إن المحاولة الأمريكية الحالية، بحسب التحليل، تسعى جاهدة لتحويل الصراع من قضية تحرر وطني تهدف إلى الدولة والسيادة والعودة، إلى مجرد قضية حقوق معيشية مطلبية، مستغلة في ذلك حالة الإنهاك الاقتصادي التي يعيشها الشعب الفلسطيني، خاصة بعد فقدان معظم المقومات المعيشية خلال السنتين الماضيتين.

تحويل القضية من التحرر إلى الحقوق المعيشية.. استراتيجية "الإغراء"

يرى مصطفى رضوان أن النقطة الأولى والأخطر في خطة كوشنير هي السعي المحموم لتحويل جوهر الصراع؛ فبدلاً من الحديث عن تقرير المصير، يتم التركيز على تحسين جودة الحياة والنمو الاستهلاكي، هذا التوجه يعتمد على فرضية مفادها أن توفير الرفاهية المادية قد ينسي الفلسطينيين مطالبهم التاريخية بالسيادة. 

وأوضح رضوان لـ "180 تحقيقات" أن الشعب الفلسطيني اليوم، وتحت وطأة المعاناة الشديدة، قد يبدو متلهفاً لأي انفراجة معيشية، وهو ما يحاول "كوشنير" استغلاله لتمرير مشروع سياسي يحول الفلسطينيين من "مناضلين من أجل الحرية" إلى "مستهلكين في سوق إقليمية" وإن هذا التحول يفرغ القضية الفلسطينية من محتواها السياسي والوطني، ويجعل من الحقوق الأساسية مجرد بنود في جدول رواتب أو مشاريع بنية تحتية تدار بإرادة خارجية.

تحرير الاحتلال من أعبائه المالية والمسؤولية القانونية

في تحليل معمق للأهداف الاستراتيجية، يكشف مصطفى رضوان عن هدف ثانٍ بالغ الخطورة للخطة، وهو نقل عبء التكلفة الاقتصادية من كاهل الاحتلال الإسرائيلي إلى الجهات الدولية المموّلة للمشروع، فوفقاً للقانون الدولي، يتحمل الاحتلال مسؤوليات قانونية ومالية تجاه السكان في الأراضي المحتلة، لكن خطة كوشنير تمنح إسرائيل "صك براءة" من هذه التكاليف مع بقاء سيطرتها العسكرية والأمنية كما هي دون تغيير وبذلك، تتحلل إسرائيل من أعباء المعيشة والخدمات الأساسية للسكان، بينما تتولى أطراف إقليمية ودولية دفع الفاتورة، مما يعني استدامة الاحتلال بأقل التكاليف الممكنة. هذا النموذج يكرس واقعاً يكون فيه الاحتلال "مجانياً" ومربحاً في آن واحد، حيث يسيطر على الأرض والموارد ويترك مسؤولية البشر للمانحين تحت ستار "التنمية الاقتصادية".

الدمج الإقليمي بلا سيادة.. اقتصاد بلا حدود أو عملة

تطرق رضوان في حديثه لـ "180 تحقيقات" إلى مسألة الدمج الإقليمي التي تنادي بها الخطة، موضحاً أنها عملية دمج "قسرية ومنقوصة"، فالخطة تحاول ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصادات المجاورة والمنظومة الإقليمية الكبرى، ولكن دون أي حديث عن سيادة وطنية؛ فلا وجود لحدود مسيطر عليها، ولا سياسة نقدية مستقلة، ولا عملة وطنية، ولا سيادة على المعابر، هذا النوع من الدمج يجعل الاقتصاد الفلسطيني تابعاً بصفة دائمة، ومجرد ملحق في الماكينة الاقتصادية الإقليمية، مما يحرم الفلسطينيين من امتلاك أدوات التحكم في مستقبلهم الاقتصادي. إن غياب هذه الأركان السيادية يحول أي نمو اقتصادي مفترض إلى "فقاعة" يمكن تفجيرها في أي لحظة بقرار سياسي أو أمني خارجي، مما يجعل الاقتصاد الفلسطيني رهينة للتقلبات السياسية الدولية.

الفرق الجوهري.. بين الإغاثة الإنسانية و"المال مقابل الصمت"

يميز مصطفى رضوان بوضوح بين خطط الإعمار السابقة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية وبين خطة كوشنير الحالية. فبينما كانت الخطط السابقة ذات أهداف إغاثية وإنسانية بحتة، تُنفذ بأيدٍ فلسطينية ولم تشترط تنازلات سياسية مقابل المساعدات، تأتي خطة كوشنير كمعادلة صريحة لـ "المال مقابل الصمت"، إنها استثمار سياسي يرتدي ثوباً اقتصادياً، حيث تشترط الصمت على التجاوزات السياسية وعدم المطالبة بالحقوق الوطنية مقابل تدفق الأموال. ويؤكد رضوان أن هذه الخطة لا تضمن حتى نهاية العدوان أو توفير ضمانات أمنية حقيقية، بل هي مجرد محاولة لشراء الوقت وتهدئة النفوس عبر المال، وهو ما ينسف أسس العدالة التي قامت عليها المطالب الفلسطينية طوال عقود، ويحول المجتمع من مجتمع منتج ومقاوم إلى مجتمع ينتظر المنح المشروطة.

فلسفة السوق الاستهلاكية.. إضعاف الزراعة والصناعة المحلية

في قراءته التقنية لمخرجات الخطة، يوضح رضوان أن المشروع يتعامل مع قطاع غزة ككتلة بشرية "تستهلك" ولا "تنتج". فالخطة تركز على مشاريع استهلاكية كبرى في قطاعات الكهرباء والمياه والسكن، وهي قطاعات ضرورية بلا شك، لكن الطريقة التي تُطرح بها تشجع الاستيراد وتفتح الأسواق الفلسطينية للمنتجات الخارجية على حساب الصناعة والزراعة المحلية، هذا النهج يؤدي بالضرورة إلى إضعاف المنتج الوطني وخلق وظائف "هشة" ومرتبطة بالمشاريع الخارجية التي تنتهي بانتهاء التمويل. والنتيجة النهائية، كما يصفها رضوان، هي "نمو استهلاكي بلا إنتاج، ورخاء مؤقت بلا تنمية حقيقية"، مما يجعل المجتمع الفلسطيني يعيش في حالة اعتمادية دائمة لا تسمح له ببناء قاعدة اقتصادية صلبة تمكنه من الاستقلال المستقبلي.

يختتم الكاتب والمحلل الاقتصادي مصطفى رضوان حديثه لموقع "180 تحقيقات" بوصف دقيق لمشروع كوشنير، معتبراً إياه ليس أداة للنهضة الاقتصادية الشاملة كما يتم الترويج له، بل هو مجرد "وصفة مؤقتة لتخفيف الألم". إنها محاولة لتسكين الأزمات الراهنة وامتصاص الغضب الشعبي عبر حلول تقنية اقتصادية، بينما يظل الجرح السياسي الفلسطيني نازفاً وعميقاً وإن الخطة تفتقر للقرار المستقل والسيادة الحقيقية، وهي بذلك تكرس واقع "التبعية الدائمة" بدلاً من "التحرر المنشود". وفي ظل غياب أي ضمانات لإنهاء العدوان أو تحقيق تطلعات الشعب في الدولة، يبقى مشروع كوشنير محاولة لبيع الوهم الاقتصادي مقابل التنازل عن الثوابت الوطنية، وهو ما يدركه الفلسطينيون الذين يفرقون جيداً بين التنمية الحقيقية وبين الرفاهية المشروطة بسلب الهوية والقرار.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال