20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هدم منازل الفلسطينيين وتمدد المستوطنين: القدس تحت هندسة الاحتلال

أجبرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، مواطناً مقدسياً على هدم منزله ذاتياً في بلدة جبل المكبر جنوب شرقي القدس المحتلة، في مشهد يعكس أحد أكثر أشكال القمع قسوة بحق الفلسطينيين، وجاء ذلك بالتزامن مع إصدار قرار جديد بهدم غرفة سكنية في بلدة سلوان، في استمرار لسياسة التضييق التي تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة.

بقلم: شيماء مصطفى
١ فبراير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
11 مشاهدة
هدم منازل الفلسطينيين وتمدد المستوطنين: القدس تحت هندسة الاحتلال

هدم منازل الفلسطينيين وتمدد المستوطنين: القدس تحت هندسة الاحتلال

أجبرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، مواطناً مقدسياً على هدم منزله ذاتياً في بلدة جبل المكبر جنوب شرقي القدس المحتلة، في مشهد يعكس أحد أكثر أشكال القمع قسوة بحق الفلسطينيين، وجاء ذلك بالتزامن مع إصدار قرار جديد بهدم غرفة سكنية في بلدة سلوان، في استمرار لسياسة التضييق التي تستهدف الوجود الفلسطيني في المدينة.

وأفادت محافظة القدس بأن سلطات الاحتلال أرغمت المواطن ياسر ماهر دعنا على هدم منزله في حي الصلعة بجبل المكبر بحجة البناء دون ترخيص، ويؤوي المنزل أربعة أفراد وتبلغ مساحته نحو 100 متر مربع، ما يجعل عملية الهدم أكثر من مجرد إجراء إداري، بل ضربة مباشرة للاستقرار الأسري والاجتماعي.

ولا يقتصر المشهد على حالة فردية، بل يأتي ضمن سياق متواصل من الإجراءات التي تحوّل حياة الفلسطينيين في القدس إلى صراع يومي مع أوامر الهدم والتهديد بالإخلاء، وبذلك يصبح المنزل، الذي يفترض أن يكون مساحة أمان، ساحة مواجهة مفتوحة مع سياسات الاحتلال.

آلية الضغط

تعتمد سلطات الاحتلال سياسة إجبار الفلسطينيين على هدم منازلهم بأنفسهم، تحت طائلة الغرامات المالية الباهظة في حال رفضهم تنفيذ القرار، وفي حال الامتناع، تتولى جرافات الاحتلال عملية الهدم، مع تحميل أصحاب المنازل تكاليف التنفيذ، في عقاب مزدوج يجمع بين الهدم والاستنزاف المالي.

وتكشف هذه الآلية عن طبيعة الضغط المنهجي الذي يُمارس على الفلسطينيين، حيث لا يُترك لهم خيار حقيقي سوى تنفيذ الهدم بأيديهم، وهكذا يتحول الفلسطيني من ضحية قرار سياسي إلى منفّذ قسري له، في مشهد يعكس عمق الإذلال الذي تفرضه منظومة الاحتلال.

ولا يمكن فصل هذه السياسة عن منظومة قانونية وإدارية صُمّمت خصيصاً لتجفيف إمكانيات البقاء الفلسطيني في القدس. فالهدم الذاتي ليس إجراءً استثنائياً، بل أداة أساسية في استراتيجية تهجير صامت تتقدم ببطء لكنها بثبات.

تراخيص ممنوعة في القدس

تواصل بلدية الاحتلال الامتناع عن منح الفلسطينيين تراخيص بناء في القدس المحتلة، مقابل تسهيل التوسع الاستيطاني بشكل واسع ومنهجي، ويؤدي هذا الواقع إلى دفع السكان الفلسطينيين للبناء دون ترخيص، ثم ملاحقتهم بأوامر الهدم، في حلقة مغلقة من القمع القانوني.

ويمثل هذا السلوك انتهاكاً واضحاً للقوانين الدولية التي تكفل الحق في السكن والحياة الكريمة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن توظيف القانون كأداة سياسية، فالاحتلال لا يكتفي بالسيطرة الميدانية، بل يعيد هندسة المجال العمراني والديمغرافي عبر أدوات إدارية ظاهرها قانوني وباطنها استعماري.

وتشير تقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية ودولية إلى أن هذه السياسة ليست نتيجة خلل إداري، بل خيار استراتيجي يهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في القدس، وبذلك تتحول رخص البناء من حق طبيعي إلى امتياز حصري للمستوطنين، فيما يُترك الفلسطينيون في مواجهة دائمة مع خطر الهدم.

سلوان تحت الاستهداف

في السياق ذاته، أصدرت سلطات الاحتلال قراراً بهدم غرفة سكنية تعود لعائلة الطويل في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك، وأمهلت العائلة عشرة أيام لتنفيذ القرار، في خطوة تعكس تسارع وتيرة الهدم في واحدة من أكثر مناطق القدس حساسية.

وأشارت مصادر محلية إلى أن قوات الاحتلال أخطرت قبل أيام بهدم منزلين لشقيقين في حي واد قدوم بسلوان، ضمن سلسلة متواصلة من الإخطارات وقرارات الهدم، ويكشف ذلك عن نمط تصاعدي يستهدف سلوان باعتبارها نقطة ارتكاز في الصراع على هوية القدس.

ويُذكر أن سلطات الاحتلال أصدرت مطلع يناير الماضي قراراً بتهجير 26 عائلة فلسطينية في سلوان، تضم نحو 130 شخصاً، بعد رفض المحكمة العليا الإسرائيلية التماساتهم لوقف أوامر الإخلاء لصالح جمعيات استيطانية، ويؤكد هذا التطور أن الهدم ليس إجراءً منفصلاً، بل جزء من خطة أوسع لإعادة توزيع السكان وفق منطق استيطاني.

أهداف التهويد

تُعدّ بلدة سلوان من أكثر المناطق استهدافاً بالاستيطان في القدس المحتلة، حيث تتكثف محاولات السيطرة على المنازل والأراضي الفلسطينية ضمن مخطط تهويدي واسع، ويهدف هذا المخطط إلى تغيير الطابع الديمغرافي والتاريخي للمدينة، وتحويلها إلى فضاء يهودي خالص.

ولا يمكن فهم سياسة هدم المنازل بعيداً عن هذا الهدف الاستراتيجي، إذ تشكل عمليات الهدم أداة لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين. وفي المقابل، تُفتح الأبواب أمام المستوطنين لتعزيز وجودهم، في معادلة تقوم على الإقصاء مقابل الإحلال.

وتكشف هذه السياسة عن طبيعة الصراع في القدس، الذي لم يعد مجرد نزاع سياسي، بل صراع على المكان والذاكرة والهوية. فكل منزل يُهدم لا يمثل خسارة مادية فحسب، بل ضربة للوجود الفلسطيني في واحدة من أكثر المدن حساسية في العالم.

دلالات سياسية

تعكس سياسة هدم المنازل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الاحتلال يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بعيداً عن أي تسوية عادلة، فالهدم هنا ليس رد فعل على مخالفات بناء، بل أداة لإعادة رسم الخريطة السكانية بما يخدم المشروع الاستيطاني.

كما تكشف هذه السياسة عن تناقض صارخ بين الخطاب الإسرائيلي حول “سيادة القانون” والممارسات الميدانية التي تنتهك أبسط حقوق الإنسان، وبذلك يصبح القانون ذاته جزءاً من منظومة السيطرة، لا وسيلة لتحقيق العدالة.

وتؤكد هذه الممارسات أن القدس ليست مجرد مدينة متنازع عليها، بل ساحة اختبار لمشروع استعماري يسعى إلى تثبيت هيمنته عبر أدوات العمران والهدم معاً، ومن هنا، يتحول كل قرار هدم إلى حدث سياسي بامتياز، تتجاوز آثاره حدود المنزل المهدوم إلى مستقبل المدينة بأكملها.

سياق أوسع

لا تقتصر سياسة الهدم على القدس وحدها، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتشهد الضفة هجمات متصاعدة من جيش الاحتلال ومستوطنيه ضد الأهالي وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.

وبحسب المعطيات، قُتل أكثر من ألف فلسطيني، وأُصيب نحو 11 ألفاً، واعتُقل أكثر من 21 ألفاً منذ بدء العمليات الإسرائيلية في غزة في أكتوبر 2023، وتشير هذه الأرقام إلى أن سياسة الهدم ليست معزولة، بل جزء من منظومة عنف شاملة تستهدف الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم.

وفي هذا السياق، تبدو عمليات هدم المنازل في القدس حلقة مركزية في استراتيجية أوسع تقوم على تفكيك المجتمع الفلسطيني، وإضعاف قدرته على البقاء والصمود.

مشروع طويل الأمد

تكشف سياسة هدم المنازل في القدس عن مشروع طويل الأمد يسعى إلى إعادة هندسة المدينة ديمغرافياً وسياسياً، فالهدم ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة توزيع السكان، وتثبيت السيطرة الاستيطانية، وتقويض الوجود الفلسطيني.

وفي ظل استمرار هذه السياسة، تتحول القدس إلى مسرح صراع مفتوح بين منطق الاحتلال ومنطق البقاء الفلسطيني، ومع كل منزل يُهدم، تتعمق معركة الهوية والوجود، وتترسخ حقيقة أن الصراع في القدس ليس على الأرض فقط، بل على الحق في الحياة نفسها.

هدم منازل الفلسطينيين2
 

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال