4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

من الهامش إلى المركز: كيف غذّت ملفات إبستين صعود QAnon وأربكت سياسة ترامب

بالنسبة لأتباع QAnon، لم تكن قضية إبستين مجرد جريمة جنسية، بل “إثباتًا جزئيًا” على صحة ادعاءاتهم حول النخبة العالمية. الجزيرة الخاصة، شبكة العلاقات، التسوية القضائية المخففة عام 2008.

بقلم: عمرو المصري
٢ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
26 مشاهدة
تستقطب حركة كيو أنون أتباعًا جددًا من خلال مناشدات لوقف الاتجار بالأطفال. (غيتي إيميجز)

تستقطب حركة كيو أنون أتباعًا جددًا من خلال مناشدات لوقف الاتجار بالأطفال. (غيتي إيميجز)

ظهرت حركة QAnon في بيئة رقمية هامشية عام 2017، مستندة إلى سردية بسيطة ومباشرة تقوم على فكرة “نخبة عالمية فاسدة” تدير شبكات لاستغلال الأطفال وتحتمي داخل مؤسسات الدولة. هذه السردية لم تكن جديدة بالكامل، بل أعادت تدوير نظريات مؤامرة أقدم، لكنها قدّمتها بلغة شعبوية عاطفية سهلة التداول.

في تلك المرحلة، كانت ادعاءات الحركة تُعامل في الإعلام السائد باعتبارها خيالًا سياسيًا أو انحرافًا نفسيًا جماعيًا، لا سيما مع افتقارها لأي أدلة موثقة. غير أن قوة QAnon لم تكمن في صحة الوقائع، بل في قدرتها على بناء قصة كبرى تمنح أتباعها إحساسًا بالمعرفة السرية والاصطفاء الأخلاقي.

ملفات جيفري إبستين، منذ لحظة اعتقاله عام 2019 ثم موته في السجن، تحولت إلى الوقود المثالي لهذه السردية. فوجود ممول نافذ مرتبط فعليًا بشبكات سياسية ومالية كبرى، ومتورط في استغلال قاصرات، منح QAnon مادة واقعية نادرة في عالم نظريات المؤامرة.

إبستين كدليل رمزي

بالنسبة لأتباع QAnon، لم تكن قضية إبستين مجرد جريمة جنسية، بل “إثباتًا جزئيًا” على صحة ادعاءاتهم حول النخبة العالمية. الجزيرة الخاصة، شبكة العلاقات، التسوية القضائية المخففة عام 2008، ثم الغموض المحيط بوفاته، كلها عناصر أعيد تأويلها داخل إطار المؤامرة الكبرى.

من الهامش إلى المركز..كيف غذّت ملفات إبستين صعود QAnon وأربكت سياسة ترامب

 

لم تعد قضية جيفري إبستين مجرد جريمة جنسية معزولة، بل تحولت—بعد الإفراج عن دفعة الوثائق في 30 يناير—إلى ما اعتبره أتباع حركة كيون أنون دليلًا مادّيًا على وجود بنية أعمق وأكثر ظلامية داخل شبكات النخبة. فالوثائق الجديدة، بحسب ما ورد في محاضر وشهادات وتقارير مرافقة، تضمنت إشارات صريحة إلى رموز شيطانية وطقوس مغلقة وممارسات غامضة ارتبطت بأماكن وأشخاص داخل شبكة الاعتداء الجنسي على الأطفال.

وتشير هذه المواد، كما ظهرت في الملفات، إلى أنماط سلوك تتجاوز الاستغلال الجنسي التقليدي، لتلامس ممارسات طقوسية موثقة في إفادات وشهادات، دون أن تصل بعد إلى مستوى الإدانة القضائية الكاملة. هذا الفارق بين التوثيق والتحقيق القضائي النهائي خلق مساحة رمادية جديدة، لم تعد قائمة على الخيال وحده، بل على وثائق خام لم تُفكك مؤسسيًا بعد.

هنا تحديدًا تبدّل المشهد: فلم تعد المشكلة في “ادعاءات غير مثبتة” كما في السابق، بل في وثائق رسمية أُفرج عنها دون تفكيك سياسي أو قانوني شامل، ما أضعف مصداقية النخب والمؤسسات، ومنح الخطاب المؤامراتي—رغم تطرفه—قدرة غير مسبوقة على الانتشار. ففي لحظة كهذه، لم تعد الصدمة في صحة كل التفاصيل، بل في عجز الدولة عن تقديم رواية مكتملة تُغلق الباب أمام التأويلات الأكثر تطرفًا.

ترامب والالتباس السياسي

اعتمدت QAnon منذ بداياتها على تصوير دونالد ترامب بوصفه “المنقذ” الذي يخوض حربًا سرية ضد الدولة العميقة. هذا التصوير لم يكن نتيجة إعلان رسمي، بل نتاج تفاعل ذكي بين صمت ترامب أحيانًا، وإشاراته الرمزية أحيانًا أخرى، وامتناعه الدائم عن مهاجمة الحركة بشكل حاسم.

خلال سنة حكمه الأولى، استفاد ترامب سياسيًا من هذه القاعدة التعبوية، حتى وإن لم يتبنَّ خطابها صراحة. غير أن اللحظة الفاصلة جاءت مع تعثر الإفراج الكامل عن ملفات إبستين، وهو ما اعتبره كثير من أنصار QAnon خيانة للوعد الضمني بكشف “النخبة الفاسدة”.

أعاد ترامب نشر صورة له وهو يرتدي دبوسًا على طية صدر السترة عليه حرف Q، ومكتوب عليه عبارة «العاصفة قادمة». (وكالة فرانس برس عبر غيتي إيميجز)
أعاد ترامب نشر صورة له وهو يرتدي دبوسًا على طية صدر السترة عليه حرف Q، ومكتوب عليه عبارة «العاصفة قادمة». (وكالة فرانس برس عبر غيتي إيميجز)


 

تصريحات ترامب التي وصف فيها ملفات إبستين بأنها “خدعة” أو نتاج إدارات سابقة، عمّقت الارتباك داخل الحركة. فبدل أن يؤدي ذلك إلى انهيارها، دفعها إلى إعادة تأويل الواقع، عبر افتراض أن ترامب نفسه مقيّد أو مضطر للمناورة، وهو ما يعكس مرونة الأسطورة وخطورتها في آن واحد.

الهجرة إلى التيار العام

مع مرور الوقت، لم تعد QAnon حركة محصورة في منتديات مظلمة، بل تسللت إلى الخطاب السياسي المحافظ السائد. مرشحون للكونغرس تبنوا أجزاء من سرديتها، وشعاراتها تسربت إلى احتجاجات “إنقاذ الأطفال” وحملات مناهضة اللقاحات والعولمة.

اقرأ أيضا: وثائق إبستين تهز الإليزيه: ماكرون طلب استشارات متكررة من جيفري إبستين قبل وبعد توليه الرئاسة

ملفات إبستين لعبت دور الجسر بين الهامش والمركز، إذ منحت الخطاب المؤامراتي مدخلًا أخلاقيًا يصعب مهاجمته علنًا. فالدفاع عن الأطفال، ومساءلة النخب، والمطالبة بالشفافية، كلها مطالب مشروعة جرى اختطافها داخل إطار أيديولوجي متطرف.

هذا التسلل خلق معضلة حقيقية للديمقراطية الأمريكية، حيث بات من الصعب التفريق بين الشك الصحي في السلطة، والارتياب المرضي الذي يقوض الثقة في أي مؤسسة. ومع كل دفعة وثائق جديدة، يتجدد هذا الالتباس بدل أن ينحسر.

صمت الدولة والمؤسسات

أحد أخطر جوانب العلاقة بين QAnon وملفات إبستين يتمثل في صمت المؤسسات أو بطئها في الإفصاح الكامل. فكل تأجيل أو حجب أو تنقيح للوثائق يُفسَّر داخل خطاب QAnon بوصفه دليلًا إضافيًا على التستر.

وزارة العدل الأمريكية، حين طلبت فك السرية عن أجزاء من محاضر هيئة المحلفين في يوليو 2025، فعلت ذلك تحت ضغط سياسي وإعلامي متصاعد. غير أن الإفراج الجزئي، بدل الإغلاق النهائي للملف، فتح الباب أمام موجات جديدة من التأويلات والشكوك.

أنصار الرئيس دونالد ترامب يحملون لافتات تشير إلى نظرية المؤامرة كيو أنون خلال تجمع انتخابي في مركز مؤتمرات لاس فيغاس في 21 فبراير 2020. (غيتي إيميجز)
أنصار الرئيس دونالد ترامب يحملون لافتات تشير إلى نظرية المؤامرة كيو أنون خلال تجمع انتخابي في مركز مؤتمرات لاس فيغاس في 21 فبراير 2020. (غيتي إيميجز)

 

هذا النمط يبرز معضلة الدولة الحديثة في عصر الشفافية الرقمية: فالإفصاح غير الكامل لم يعد حيادًا، بل يُقرأ كفعل سياسي له تبعاته. وفي حالة إبستين، تحوّل الغموض إلى أداة تعبئة راديكالية بيد حركات مثل QAnon.

التداعيات الديمقراطية الأعمق

تكشف العلاقة بين QAnon وملفات إبستين عن خلل أعمق في البنية السياسية والإعلامية الأمريكية. فحين تفشل المؤسسات في المحاسبة الكاملة، تملأ الأساطير الفراغ، وحين تتآكل الثقة، يصبح الخيال السياسي بديلًا عن الوقائع.

لا يعني ذلك صحة ادعاءات QAnon، بل يسلط الضوء على البيئة التي سمحت لها بالانتشار. فالمزج بين فضائح حقيقية، وصمت رسمي، واستقطاب سياسي حاد، أنتج حركة قادرة على البقاء رغم تكذيبها المتكرر.

في المحصلة، لم تصنع QAnon قضية إبستين، لكنها استثمرتها بذكاء، وحوّلتها إلى حجر زاوية في خطابها. وبينما تتواصل عملية الإفراج التدريجي عن الوثائق، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الدولة في استعادة السردية عبر الشفافية الكاملة، أم تترك المجال مفتوحًا لمزيد من التطرف السياسي المقنّع بلغة “كشف الحقيقة”؟

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

من الهامش إلى المركز: كيف غذّت ملفات إبستين صعود QAnon وأربكت سياسة ترامب - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°