شهدت مدينة كادقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، تحولاً ميدانياً لافتاً بعد وصول قوات من الجيش السوداني إليها وإنهاء الحصار المفروض عليها منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، في خطوة تحمل أبعاداً عسكرية وإنسانية تتجاوز حدود المدينة، وتعكس مساراً جديداً في معادلة الصراع داخل السودان وفق ما أفادت مصادر حكومية سودانية لـ"الشرق".
هذا التطور لم يأتِ معزولاً عن سياق الحرب الممتدة، بل جاء امتداداً لتحركات عسكرية سابقة، أبرزها إعلان الجيش في 26 يناير الماضي فك الحصار عن مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن جنوب كردفان، وربطها بولاية شمال كردفان عبر طرق وعرة، ما أتاح إيصال الغذاء والدواء إلى السكان المحاصرين، وأعاد فتح خطوط الإمداد التي ظلت مغلقة لفترات طويلة.
كادقلي بين الحصار الطويل والانفراج العسكري
تعرضت كادقلي لحصار خانق منذ الأيام الأولى للحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية والخدمية بشكل غير مسبوق.
وفي فبراير من العام الماضي، تمكن الجيش من فك العزلة جزئياً عبر ربط المدينة بمدينة الدلنج، إلا أن هذا الارتباط لم يستمر طويلاً، إذ عادت قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو في ديسمبر الماضي لتطويق المدينة من جديد، بعد سيطرتهما على منطقة "التقاطع" الاستراتيجية.
هذا التطويق أعاد المدينة إلى مربع العزلة، وعمّق الأزمة الإنسانية، وكرّس كادقلي بوصفها إحدى أبرز ساحات الاستنزاف العسكري في السودان، حيث تداخلت المعركة العسكرية مع الصراع السياسي والتحالفات المسلحة.
تحذيرات دولية وأزمة إنسانية متفاقمة
في السادس من يناير الماضي، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن مدينة كادقلي والمناطق المحيطة بها أصبحت معزولة عن المساعدات الإنسانية، مؤكداً تسجيل مجاعة داخل المدينة.
وأشار البرنامج إلى أن الأوضاع الإنسانية في جنوب كردفان وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، نتيجة استمرار الحصار وتصاعد العنف، ما أدى إلى عزل المدينة عن خطوط الإغاثة.
وأوضح البرنامج أن آلاف الأسر حُرمت من الغذاء والخدمات الأساسية، الأمر الذي رفع خطر الجوع الجماعي وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء، في مشهد يعكس الوجه الإنساني القاسي للحرب في السودان.
ورغم التحديات الأمنية، تمكن البرنامج من تحقيق اختراقات محدودة، من بينها وصول قافلة أممية كبيرة إلى كادقلي في أكتوبر الماضي، وهي الأولى منذ اندلاع النزاع، ما كشف حجم القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق الصراع.
موقع استراتيجي في قلب الصراع السوداني
تمثّل كادقلي أهمية استراتيجية بالغة لجميع أطراف الصراع، إذ تقع على بُعد نحو 700 كيلومتر جنوب غربي الخرطوم، وتشكل نقطة تماس بين القوى العسكرية والسياسية في إقليم كردفان.
وعلى مدى عقود، كانت المدينة في قلب الحروب الأهلية السودانية، واستهدفتها قوات "الجيش الشعبي لتحرير السودان" بقيادة جون قرنق منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تعود إلى الواجهة بعد استقلال جنوب السودان.
لاحقاً، أصبحت كادقلي ضمن أولويات الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، ثم دخلت هذه الحركة في تحالف مع قوات الدعم السريع، ما جعل المدينة ساحة تقاطع لمصالح وتحالفات متناقضة، ومرآة لتعقيدات المشهد العسكري والسياسي في السودان.
دلالات فك الحصار وتحولات ميزان القوى
يرى مراقبون أن فك الحصار عن كادقلي والدلنج يمثل تقدماً ميدانياً مهماً للجيش السوداني، يمكن أن يعزز موقعه في تأمين مدن استراتيجية أخرى في إقليم كردفان، وعلى رأسها مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان.
كما يمنح الجيش قدرة أكبر على التقدم غرباً باتجاه بسط السيطرة على ولاية غرب كردفان، وهو ما قد يغير موازين السيطرة على الأرض، ويعيد ترتيب خطوط المواجهة في السودان.
لكن هذا التقدم لا يعني بالضرورة نهاية المعركة، بل يشير إلى مرحلة جديدة من الصراع، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الضغوط الإنسانية والسياسية، وتتحول المدن المحاصرة إلى أدوات في صراع النفوذ بين الأطراف المتحاربة.
السودان بين الانتصار العسكري والاختبار الإنساني
يكشف فك الحصار عن كادقلي أن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على الجغرافيا والشرعية والسيطرة على الموارد والطرق الحيوية.
وفي الوقت الذي يحقق فيه الجيش مكاسب ميدانية، تبقى الأزمة الإنسانية هي التحدي الأكبر، إذ لا يزال ملايين المدنيين يعيشون تحت وطأة الحصار والجوع وانهيار الخدمات.
وبين تقدم الجيش وتحالفات خصومه، يظل السودان أمام معادلة معقدة، حيث تتقاطع الانتصارات العسكرية مع مأساة إنسانية مفتوحة، وتتحول المدن المحاصرة إلى مؤشرات حاسمة على مستقبل الحرب ومسار الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الصراع.









