20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

رئيس كولومبيا في البيت الأبيض: تهديدات الهيمنة الأمريكية تعود بثوب دبلوماسي

يلتقي ترامب، الثلاثاء، في البيت الأبيض الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، في اجتماع يأتي بعد أشهر من تصعيد غير مسبوق شمل تبادل إهانات علنية وتهديدات مباشرة بالتدخل العسكري الأمريكي في كولومبيا.

بقلم: أخبار ومتابعات
٣ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
9 مشاهدة
ترامب ورئيس كولومبيا جوستافو بيترو

ترامب ورئيس كولومبيا جوستافو بيترو

يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الثلاثاء، في البيت الأبيض نظيره الكولومبي جوستافو بيترو، في اجتماع يأتي بعد أشهر من تصعيد غير مسبوق شمل تبادل إهانات علنية وتهديدات مباشرة بالتدخل العسكري الأمريكي في كولومبيا. هذا اللقاء لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي أعقب العدوان الأمريكي على فنزويلا، حين اختطفت واشنطن الرئيس نيكولاس مادورو إلى الأراضي الأمريكية لمحاكمته بتهم مرتبطة بتهريب المخدرات، في سابقة هزّت القارة اللاتينية بأكملها.

الاجتماع، في جوهره، يمثل انتقالاً مؤقتاً من لغة التهديد إلى لغة الاحتواء، دون أن يعني ذلك تراجعاً في جوهر السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية. فترامب نفسه سبق أن وصف بيترو بأنه «رجل مريض يحب صنع الكوكايين وبيعه للولايات المتحدة»، ولمّح علناً إلى أن تكرار السيناريو الفنزويلي في كولومبيا «يبدو خياراً جيداً»، ما جعل اللقاء الحالي أقرب إلى هدنة اضطرارية فرضتها الحسابات السياسية أكثر من كونه مصالحة حقيقية.

من الإهانات إلى المجاملة الباردة

على مدى أشهر، شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مواجهة مفتوحة بين الرئيسين، تبادلا خلالها الاتهامات والإهانات بشكل غير مسبوق بين رئيسي دولتين حليفتين تقليدياً. غير أن هذا التصعيد شهد تحولاً ملحوظاً عقب مكالمة هاتفية جرت بين ترامب وبيترو في السابع من يناير الماضي، بدت وكأنها أعادت ضبط الإيقاع مؤقتاً.

ترامب، عشية اللقاء، قال للصحافيين في المكتب البيضاوي إن بيترو «كان لطيفاً للغاية خلال الشهر أو الشهرين الماضيين»، مضيفاً بنبرة لا تخلو من الاستعلاء أن الرئيس الكولومبي «كان منتقداً قبل ذلك، لكن بعد الهجوم على فنزويلا أصبح لطيفاً للغاية». هذا التوصيف يعكس بوضوح منطق القوة الذي يحكم رؤية ترامب للعلاقات الدولية، حيث يُكافأ الانضباط السياسي بالمصافحة، ويُعاقب التمرد بالتهديد العسكري.

عقوبات مرفوعة وقلق كولومبي

الزيارة ستشهد رفع الحظر المفروض على تأشيرة دخول بيترو إلى الولايات المتحدة، في خطوة رمزية تعكس تراجعاً عن أشهر من العقوبات وخفض التمويل والتهديدات بضرب أهداف داخل كولومبيا. كما سبقت اللقاء بادرة «حسن نية» من بوغوتا، تمثلت في موافقتها على استقبال رحلات ترحيل المهاجرين غير النظاميين التي تنظمها الولايات المتحدة، وهو الملف الذي شكّل شرارة الخلاف الأساسية بين الجانبين.

ورغم هذه المؤشرات، يسود في الأوساط السياسية والدبلوماسية في بوغوتا قلق بالغ من مآلات الاجتماع. ويتداول دبلوماسيون كولومبيون، بنبرة ساخرة تخفي توتراً حقيقياً، سيناريو تعرض بيترو لتوبيخ علني في المكتب البيضاوي، على غرار ما جرى للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فبراير 2025. ويذهب الخبير السياسي في جامعة الأنديز فيليبي بوتيرو إلى أن «تقلب شخصيتي ترامب وبيترو يجعل الاجتماع عرضة للانحراف في أي لحظة»، ما يعكس هشاشة هذا التقارب الظرفي.

تصادم أيديولوجي مفتوح

الخلاف بين ترامب وبيترو لا يقتصر على الأسلوب أو الملفات التقنية، بل يمتد إلى جذور أيديولوجية عميقة. بيترو، الرئيس اليساري والمقاتل السابق، يمثّل نموذجاً سياسياً نقيضاً لرؤية ترامب، سواء في موقفه من العدالة الاجتماعية أو من دور الولايات المتحدة في القارة. وقد ظل بيترو من أبرز المدافعين عن نيكولاس مادورو، واصفاً الضغوط الأمريكية على فنزويلا بأنها امتداد لإرث استعماري، في مقابل اتهامه ترامب بالعنصرية والنزعة السلطوية.

في المقابل، لا يخفي ترامب رغبته في إعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية على ما يسميه «الفناء الخلفي»، معتبراً أن الهجوم على فنزويلا ليس سوى بداية لمسار أوسع يطال دولاً أخرى في أمريكا اللاتينية، وعلى رأسها كولومبيا. هذا التصور يعيد إلى الواجهة عقيدة الهيمنة التي حكمت السياسة الأمريكية في القارة منذ قرنين، ويحوّل أي حوار دبلوماسي إلى أداة ضغط لا أكثر.

المخدرات: ملف الابتزاز الدائم

سيحتل ملف المخدرات موقعاً مركزياً في محادثات اليوم، إذ تُعد كولومبيا أكبر منتج للكوكايين في العالم، بينما تمثل الولايات المتحدة أكبر سوق استهلاكي له. ترامب أعلن صراحة أن الاجتماع سيتناول «الكميات الهائلة من المخدرات التي تخرج من كولومبيا»، في إعادة إنتاج لخطاب تحميل الضحية مسؤولية الطلب الأمريكي المزمن على الكوكايين.

وعلى مدى عقود، كانت كولومبيا الحليف الأوثق لواشنطن في أمريكا اللاتينية، مع تدفق مليارات الدولارات لدعم الجيش وأجهزة الاستخبارات في إطار «الحرب على المخدرات». إلا أن عهد بيترو شهد ارتفاعاً ملحوظاً في إنتاج الكوكا وصادرات الكوكايين، ما وفّر ذريعة جديدة لواشنطن لممارسة الضغوط. وينتقد خصوم بيترو قراره وقف برامج الإبادة القسرية لمحاصيل المخدرات، واعتماده سياسة التفاوض مع عصابات التهريب والجماعات المسلحة التي تسيطر على مساحات واسعة من البلاد.

انتخابات كولومبيا في مرمى واشنطن

تأتي زيارة بيترو إلى واشنطن في توقيت بالغ الحساسية، قبل الانتخابات الرئاسية الكولومبية المقررة في مايو المقبل، حيث يتصدر المرشح اليساري إيفان سيبيدا استطلاعات الرأي لخلافة بيترو. وقد اتهم سيبيدا الولايات المتحدة صراحة بمحاولة «التأثير» على مسار الانتخابات، في اتهام يعكس شكوكاً متجذرة تجاه الدور الأمريكي في السياسة الكولومبية.

وقبيل الاجتماع، اتخذ بيترو خطوات إضافية لإرضاء واشنطن، شملت استئناف رحلات ترحيل المهاجرين، والموافقة على إعادة العمل ببرنامج التبخير الجوي لمحاصيل الكوكا، وهي سياسة أوقفت منذ 2015 بسبب آثارها البيئية والصحية، وكان بيترو من أشد معارضيها حين كان عضواً في مجلس الشيوخ. هذه التنازلات تعكس حجم الضغط الأمريكي، وتطرح تساؤلات حول حدود استقلال القرار الكولومبي في ظل اختلال موازين القوة.

لا يبدو لقاء ترامب وبيترو خطوة نحو شراكة متكافئة، بقدر ما هو محطة في مسار ابتزاز سياسي أمريكي تقليدي، يستخدم العصا العسكرية حيناً، والجزرة الدبلوماسية حيناً آخر، لإعادة ضبط أمريكا اللاتينية وفق أولويات واشنطن، مهما تغيّرت الوجوه في القصر الرئاسي.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال