21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب/ اغتيال الكرامة في زمن "اللايك"

في البدء كانت الكلمة أمانة، وكان الحرف جسراً للعبور نحو الحقيقة، لكننا اليوم نقف على حافة هاوية أخلاقية مخيفة

بقلم: سارة جاسم
٣ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
32 مشاهدة
صورة تعبيرة عن الكرامة

صورة تعبيرة عن الكرامة

في البدء كانت الكلمة أمانة، وكان الحرف جسراً للعبور نحو الحقيقة، لكننا اليوم نقف على حافة هاوية أخلاقية مخيفة حيث استُبدلت الأمانة بالخيانة، وتحول الحرف إلى نصل مسموم يُغرس في خاصرة المجتمع.

إن ما نشهده اليوم من طوفان الفضائح الممنهجة، وحملات التشهير والابتزاز التي تستهدف الرموز الإعلامية، والقامات الأمنية، وحتى المواطنين العزل في بيوتهم، ليس مجرد "ظاهرة رقمية" عابرة، بل هو زلزال يضرب أسس السلم الأهلي، ومحاولة بائسة لتحويل حياتنا إلى "سوق نخاسة" تُباع فيه الكرامات وتُشترى مقابل حفنة من التفاعلات الوهمية.

لقد دخلنا عصر "الاغتيال المعنوي" ، وهو نوع من القتل بدم بارد لا يخلف وراءه جثة، بل يخلف إنساناً محطماً وعائلة مفجوعة ومؤسسات مهزوزة. عندما يُستهدف الإعلامي بصور مفبركة أو تسريبات تفتقر للمصداقية، فنحن لا نضرب شخصاً، بل نضرب "عين المجتمع" التي تبصر الحقيقة. وعندما تُستهدف الشخصية الأمنية بحملات تشويه، فنحن نعبث بهيبة الدولة ونسعى لإسقاط حصونها المعنوية. أما حين يمتد هذا السرطان ليصل إلى تفاصيل حياة المدنيين وخصوصياتهم، فإننا نعلن رسمياً عن موت "المروءة" في فضائنا العام.

إن هذه "المقصلة الرقمية" التي نُصبت في هواتفنا، لا يغذيها فقط أصحاب الحسابات الوهمية والجيوش الإلكترونية المأجورة، بل يغذيها أيضاً الصمت المجتمعي، والفضول القاتل الذي يدفعنا لمشاركة المنشور قبل التأكد منه. إننا أمام "إرهاب أبيض" يرتدي ثوب التقنية، وغايته الأسمى هي تمزيق النسيج الاجتماعي وجعل الخوف والابتزاز هما السائدان في مشهدنا اليومي.

هل القانون هو المنقذ؟
أؤمن أن الحرية بلا ضابط هي فوضى، والقوة بلا قانون هي استبداد. إن إقرار قانون للجرائم الإلكترونية لم يعد ترفاً تشريعياً، بل هو "طوق نجاة" وطني. نحن لا نحتاج لقانون يكمم الأفواه أو يصادر حقنا في النقد ولا يكون ساحة قتال للسياسين واصحاب النفوذ لقتل الكلمة الحرة والناقد البناء في سبيل وطنه ، بل نحتاج إلى "مشرط قانوني" حاد يبتر أصابع المبتزين، ويضع حداً للمنصات التي تقتات على الفضائح.
إن وجود قانون رادع سيحول الفضاء الرقمي من "غابة" ينهش فيها القوي كرامة الضعيف، إلى "دولة" تسودها العدالة. القانون هو الذي سيعيد صياغة العلاقة بين المواطن والشاشة، فعندما يدرك العابثون أن خلف كل "زر نشر" تتربص بهم عدالة حازمة، وأن ثمن التشهير هو قضبان السجن وخزي الغرامات، حينها فقط سيعود للخصوصية قدسيتها، وللحقيقة وقارها. لكن القانون وحده لا يكفي إذا لم ترافقه "نهضة وعي".

النساء في قلب العاصفة
​وإذا كنا نتحدث عن الضحايا، فلا بد أن نسلط الضوء على الجانب الأكثر قسوة في هذه الحرب وهي المرأة. إن الابتزاز الرقمي والتشهير الموجه ضد النساء ليس مجرد تشويه سمعة، بل هو "محاولة قتل معنوية" تستهدف تدمير مستقبلها، وعزلها عن مجتمعها، بل وتهديد حياتها بشكل مباشر في أحيان كثيرة. في مجتمعاتنا، تتحول "الصورة المفبركة" أو "المحادثة المجتزأة" إلى رصاصة تخترق قلب العائلة والكيان المهني للمرأة. إن استهداف الناشطات والإعلاميات وحتى النساء في حياتهن الخاصة هو سلاح يُستخدم لتكميم أفواه النساء وإقصائهن من الفضاء العام. إننا أمام "تصفية حسابات" ذكورية وقمعية تستخدم التكنولوجيا لكسر إرادة المرأة، وهو ما يتطلب وقفة صلبة لا تقبل التهاون، لأن كرامة المرأة هي المقياس الحقيقي لمدى تحضر أي مجتمع.

​ آليات تروض "الغابة الرقمية"
​إن المناداة بقانون للجرائم الإلكترونية ليست مجرد صرخة في وادٍ، بل هي استغاثة عاقلة لترميم ما تبقى من سلمنا الأهلي. ولكن، لكي لا يظل القانون حبراً على ورق أو يتحول إلى أداة لقمع الحريات، لا بد من آليات تنفيذ ذكية وحازمة تتناسب مع طبيعة الجريمة الرقمية:
• ​وحدات الاستجابة السريعة والدعم التقني: لا يكفي وجود قانون، بل نحتاج إلى "شرطة رقمية" متخصصة، قادرة على تتبع الأثر الرقمي للمبتزين حتى لو اختبأوا خلف حسابات وهمية أو خوادم خارجية، مع ضمان السرية التامة للضحايا، خصوصاً النساء، لتشجيعهن على التبليغ دون خوف من "الفضيحة الثانية".
• ​القضاء التخصصي: إن الجرائم الإلكترونية تتطلب قضاة يدركون أبعاد "الأدلة الرقمية" وسرعة انتشارها، لذا فإن إنشاء محاكم متخصصة تنظر في قضايا الابتزاز والتشهير بصفة "مستعجلة" هو أمر ضروري لقطع الطريق على تفاقم الضرر.
• ​توطين المسؤولية القانونية للمنصات: يجب إلزام شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي بالتعاون الفوري مع السلطات القانونية لإغلاق حسابات الابتزاز وحذف المحتوى المسيء خلال دقائق، وليس أيام، لأن في العالم الرقمي "الثانية الواحدة قد تنهي حياة إنسان".
• ​الحماية القانونية للضحايا: يجب أن يتضمن القانون "برامج حماية" تضمن عدم ملاحقة الضحية اجتماعياً، وتجريم أي شخص يتداول المحتوى التشهيري حتى لو لم يكن هو الفاعل الأصلي، فالذي يشارك الفضيحة هو شريك في الجريمة.

إن معركتنا اليوم ليست مع التكنولوجيا، بل مع "التوحش" الذي استوطن داخلها. نحتاج جيل يوقف نزيف الكرامات، وقانون يكون درعاً يحمي أحلامنا وخصوصياتنا، لنستعيد فضاءً رقمياً آمناً يليق بإنسانيتنا، ويحفظ لأجيالنا القادمة مجتمعاً قائماً على الاحترام لا على الابتزاز.

إن الكرامة خط أحمر، والحقيقة لا تُشترى، والعدالة قادمة لا محالة.. لأن الشعوب التي تحترم إنسانها، هي وحدها التي تعبر نحو المستقبل بجبين مرفوع.

الكلمات المفتاحية:#الكرامة

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

1

أضف تعليقك

0/1000

جميع التعليقات (1)

زينب حاتم نافع

5 شهور

ست ساره الملاك الحارس البطله شكرا لدعمك الدائم وقوفك معنا ومع المجتمع وتطرقك لكل ماهو مهم وضروري حروفك وكلامك وحلولك هيه الاروع يارررب تتحقق على ارض الواقع ونشوف دور القانون وصد هذا الارهاب الإلكتروني المرعب