20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

القدس تحت الحفر والتهويد..  نفق “طريق الحجاج” الاستيطاني تزوير للتاريخ وفرض الواقع

افتتاح الاحتلال لما يسمى “نفق طريق الحجاج” في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى في القدس يكشف مرحلة جديدة من الصراع حيث تُستخدم الآثار بوصفها أداة استراتيجية لإعادة صياغة الهوية التاريخية

بقلم: شيماء مصطفى
٦ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
6 مشاهدة
القدس تحت الحفر والتهويد..  نفق “طريق الحجاج” الاستعماري تزوير للتاريخ وفرض الواقع

القدس تحت الحفر والتهويد..  نفق “طريق الحجاج” الاستعماري تزوير للتاريخ وفرض الواقع

لم يعد الصراع في القدس مقتصرًا على المواجهة العسكرية أو السياسية المباشرة، بل تمدّد إلى عمق الأرض والتاريخ والرواية. افتتاح الاحتلال الإسرائيلي لما يسمى “نفق طريق الحجاج” في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى يكشف مرحلة جديدة من الصراع، حيث تُستخدم الآثار بوصفها أداة استراتيجية لإعادة صياغة الهوية التاريخية للمدينة وشرعنة التوسع الاستيطاني في قلبها.

هذا المشروع ليس مجرد مرفق سياحي، بل يمثل نموذجًا واضحًا لسياسة ممنهجة تهدف إلى تحويل التاريخ إلى أداة للسيطرة، وإلى فرض رواية بديلة تحاول إزاحة الرواية الفلسطينية من المشهد العام.

“طريق الحجاج”: رواية استعمارية بغطاء أثري

وصفت محافظة القدس افتتاح النفق بأنه امتداد مباشر لسياسات تزوير التاريخ الفلسطيني واستغلال الآثار لشرعنة التوسع الاستيطاني في القدس المحتلة. وأكدت أن ما يُعرف بـ“طريق الحجاج” ليس سوى استغلال زائف لموقع أثري قديم يُعرف بـ“شارع الجبانين”، وهو طريق روماني متدرج وقنوات مائية تاريخية لا تمت بصلة لأي مزاعم دينية أو تاريخية يهودية.

هذا التوصيف يضع المشروع في سياق أوسع من مجرد نشاط سياحي، ليكشف عن محاولة متعمدة لإعادة تعريف المكان وفق سردية الاحتلال، وتحويل المعالم التاريخية إلى أدوات لإنتاج شرعية سياسية ودينية مصطنعة.

الآثار كأداة للهيمنة وإعادة تشكيل الوعي

تشير محافظة القدس إلى أن الاحتلال يوظف الآثار كسلاح سياسي للسيطرة على المدينة وتزييف التاريخ وفرض روايات بديلة تستهدف محو الوجود الفلسطيني. هذه المقاربة تعكس استراتيجية متكاملة تقوم على السيطرة على الأرض من جهة، وعلى الذاكرة التاريخية من جهة أخرى.

فالسيطرة على الرواية التاريخية تعني السيطرة على المستقبل، إذ يسعى الاحتلال إلى تقديم نفسه بوصفه صاحب الحق التاريخي في المدينة، بينما يتم تصوير الوجود الفلسطيني باعتباره طارئًا أو هامشيًا، وهو ما يشكل جوهر الصراع الثقافي والمعرفي حول القدس.

القدس: الهوية الحضارية الفلسطينية في مواجهة التزييف

أكدت المحافظة أن آثار القدس وفلسطين كافة تمثل جزءًا أصيلًا من حضارة الفلسطينيين الممتدة لآلاف السنين، وأنها ملك حصري للشعب الفلسطيني، ولا علاقة لليهود المستوردين بهذه الحضارة. هذا التأكيد لا يحمل بعدًا تاريخيًا فقط، بل يعكس صراعًا على الهوية والشرعية والحق في المكان.

كما شددت على أن هذا الحق مكفول بموجب قرارات منظمة اليونسكو والاتفاقيات الدولية التي نصّت على حماية التراث الفلسطيني من أي استغلال سياسي أو ديني، ما يجعل المشاريع الاحتلالية في القدس ليست فقط انتهاكًا سياسيًا، بل خرقًا صريحًا للقانون الدولي.

629667625_1241490704834970_2523910812744683991_n
 

الحفريات التهويدية: خطر عمراني وإنساني

حذّرت محافظة القدس من تداعيات كارثية للحفريات التهويدية أسفل أحياء سلوان، والتي تسببت بانهيارات أرضية وتصدعات خطيرة في عشرات المنازل، ما يهدد حياة السكان ويدفع باتجاه التهجير القسري. هذا البعد يكشف أن المشروع لا يقتصر على التزييف التاريخي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية للمدينة.

وبيّنت المحافظة أن هذه الحفريات غير القانونية ألحقت أضرارًا ملموسة بالمباني السكنية، ما يستوجب تدخل اليونسكو العاجل لإصدار موقف رسمي يدين هذه الانتهاكات ويدعو إلى وقف الأعمال الاستيطانية كافة، وحظر حركة السياحة في المشاريع الاحتلالية.

السياحة الاستيطانية: واجهة ناعمة للتهويد

دعت محافظة القدس دول العالم إلى تجاوز المواقف الرمزية وترجمة دعمها لعدالة القضية الفلسطينية إلى خطوات عملية، تشمل حظر السياحة في المواقع التي يقيم عليها الاحتلال مشاريعه الاستيطانية. فهذه المواقع، بحسب المحافظة، أراضٍ فلسطينية سُلبت بالقوة بعد تهجير سكانها قسرًا، وحُوّلت إلى واجهات سياحية لتبرير التهويد والاستيطان.

هذه الدعوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن السياحة لم تعد نشاطًا ثقافيًا محايدًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة السيطرة السياسية والاقتصادية التي يسعى الاحتلال إلى ترسيخها في القدس.

مسؤولية العلماء والمجتمع الدولي

طالبت محافظة القدس علماء الآثار والباحثين حول العالم بتفنيد الروايات الاحتلالية المزوّرة وكشف زيف الادعاءات المفروضة على القدس، مؤكدة أن مسؤولية كبرى تقع على عاتق الأمة العربية والإسلامية والمجتمع الدولي في فضح جرائم الاحتلال بحق الآثار والمقدسات الإسلامية والمسيحية.

كما حذّرت من أن استمرار الصمت الدولي يشجع الاحتلال على التمادي في التهويد والعبث بالتراث، ويحوّل الانتهاكات من حالات استثنائية إلى واقع دائم يصعب تغييره لاحقًا.

القدس بين الحفر والذاكرة والسيادة

اختتمت محافظة القدس بيانها بالتشديد على أن حماية القدس وتراثها ومقدساتها مسؤولية عالمية عاجلة لا تحتمل التأجيل، وتتطلب تحركًا دوليًا فوريًا وحازمًا لصون حقوق الشعب الفلسطيني والحفاظ على هويته الحضارية والتاريخية.

وفي المحصلة، يكشف مشروع “طريق الحجاج” أن الصراع على القدس لم يعد مجرد صراع على الأرض، بل صراع على المعنى والرواية والذاكرة. فالاحتلال لا يكتفي بتغيير الواقع الميداني، بل يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ نفسه، بينما يبقى الوجود الفلسطيني في مواجهة محاولة اقتلاع مزدوجة: اقتلاع من الأرض واقتلاع من التاريخ.

ووسط هذا المشهد، تتحول القدس إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين روايتين: رواية تستند إلى التاريخ الحقيقي والهوية الأصيلة، ورواية استعمارية تحاول أن تصنع تاريخًا جديدًا من خلال الحفر في الأرض وإعادة تشكيل الوعي.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال