قال الدكتور محمد خليل مصلح، الباحث السياسي والاستراتيجي، إن مفاوضات مسقط بين إيران وأمريكا لا يمكن قراءتها بمعزل عن التجارب التاريخية الكبرى في الدبلوماسية الدولية، وعلى رأسها تجربة رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين مع ألمانيا النازية في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي.
وأوضح "مصلح" في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن هذه التجربة تُعد النموذج الأشهر لما يُعرف بسياسة «الاسترضاء»، والتي تحولت لاحقاً إلى درس قاسٍ في فشل التقدير السياسي وسوء قراءة نيات الخصوم.
وأشار "مصلح"، إلى أن استدعاء هذه التجربة لا يأتي من باب المقارنة المباشرة، بل من زاوية التحذير من الوقوع في أخطاء تاريخية متكررة، خاصة عندما تُدار المفاوضات تحت ضغط الخوف من الحرب، أو بدافع تجنب التصعيد بأي ثمن.
مفهوم الاسترضاء
وشرح مصلح أن سياسة الاسترضاء تقوم على تقديم تنازلات سياسية أو جغرافية أو استراتيجية لدولة تُصنّف باعتبارها توسعية أو معتدية، بهدف احتواء طموحاتها ومنع اندلاع حرب شاملة. وأضاف أن تشامبرلين كان يعتقد أن أدولف هتلر يسعى فقط إلى تصحيح ما اعتبره «ظلماً تاريخياً» فرضته معاهدة فرساي، وأن الاستجابة لمطالبه ستؤدي إلى استقرار طويل الأمد في أوروبا.
اقرأ أيضا: بدأت المفاوضات: محادثات مسقط بين الضغط العسكري وخيارات التسوية الاستراتيجية
وبيّن أن هذا التصور استند إلى افتراض أن الخصم عقلاني وقابل للاكتفاء بمكاسب محدودة، وهو افتراض ثبت لاحقاً أنه كان خاطئاً، بل وخطيراً، في ظل طبيعة النظام النازي وأهدافه التوسعية.
اتفاقية ميونخ
وتوقف مصلح عند اتفاقية ميونخ عام 1938 بوصفها المثال الأبرز على فشل سياسة الاسترضاء، حيث وافقت بريطانيا وفرنسا على منح ألمانيا النازية إقليم السوديت التابع لتشيكوسلوفاكيا، دون إشراك الحكومة التشيكية نفسها في القرار. وذكّر بالمشهد الشهير لعودة تشامبرلين إلى لندن وهو يلوّح بالاتفاق قائلاً: «السلام في عصرنا».
وأكد أن الوقائع اللاحقة نسفت هذا الوهم بالكامل، إذ لم تمضِ أشهر حتى اجتاح هتلر بقية تشيكوسلوفاكيا، ثم بولندا، ما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، كاشفاً أن التنازلات لم تؤدِ إلى السلام بل إلى تسريع المواجهة الكبرى.
أسباب الفشل
وأوضح مصلح أن فشل سياسة الاسترضاء يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها سوء تقدير طبيعة الخصم، حيث جرى التعامل مع هتلر كفاعل سياسي يبحث عن توازن، بينما كان في الواقع يمارس سياسة حافة الهاوية لانتزاع أكبر قدر من المكاسب دون كلفة عسكرية. وثانيها أن التنازلات شجّعت المعتدي بدل أن تردعه، إذ فسّرها على أنها دليل ضعف وعجز لدى خصومه.
أما العامل الثالث، بحسب مصلح، فيتمثل في غياب عنصر الردع، حيث قدمت بريطانيا «الجزرة» من دون امتلاك «العصا»، أي القوة العسكرية والسياسية الكفيلة بفرض كلفة حقيقية في حال نقض الاتفاقات أو تجاوز الخطوط المتفق عليها.
درس لمفاوضات مسقط
وفي ربطه بالواقع الراهن، أشار مصلح إلى أن العلوم السياسية تستخدم مصطلح «عقدة ميونخ» لوصف أي مسار تفاوضي يُنظر إليه باعتباره استرضاءً لخصم لا يُوثق بالتزامه بالاتفاقات. ولفت إلى أن بعض القراءات ترى في مفاوضات مسقط محاولة لتجنب حرب إقليمية عبر تقديم حوافز دبلوماسية لإيران.
لكنه شدد في المقابل على وجود اختلاف جوهري، يتمثل في أن المقاربة الأمريكية الحالية، في ظل إدارة ترامب منذ 2024، تميل إلى ما يُعرف بالدبلوماسية القسرية، التي تجمع بين الضغط والعقوبات، وتطرح أي تنازلات محتملة باعتبارها مكافأة على تغيير السلوك، لا تنازلاً استباقياً لكسب ود الخصم.
تحذير استراتيجي
واختتم مصلح بالإشارة إلى المقولة الشهيرة لرئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل، التي لخّصت فشل سياسة تشامبرلين بقوله: «لقد خُيِّرت بين الحرب والهوان، فاخترت الهوان، وستأتيك الحرب لا محالة». واعتبر أن هذه العبارة تبقى تحذيراً مفتوحاً لكل مسار تفاوضي لا يُوازن بدقة بين الدبلوماسية والردع، ولا يقرأ التاريخ بوصفه مخزوناً للعِبر لا مجرد سردٍ للماضي.










