20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الخليل تحت الضم الصامت: قرارات الكابينيت تُسقط بروتوكول 1997 وتسرّع سيادة الاحتلال

تصدّرت مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية المحتلة، جوهر هذه القرارات، في استهداف مباشر لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997، والذي نظم الصلاحيات الأمنية والإدارية في المدينة.

بقلم: أخبار ومتابعات
٩ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
13 مشاهدة
مدينة الخليل

مدينة الخليل

في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ سنوات على مسار الصراع في الضفة الغربية، صادق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، أمس الأحد، على حزمة قرارات تشكّل انقلابًا عمليًا على الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الفلسطيني، وتمهّد لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الأرض، مع تركيز مباشر على مدينة الخليل ومحيطها.

القرارات الجديدة لا تندرج في إطار إجراءات إدارية معزولة، بل تعكس توجّهًا استراتيجيًا معلنًا داخل حكومة الاحتلال، يقوم على تفكيك ما تبقى من ترتيبات أوسلو وبروتوكولاتها، واستبدالها بوقائع قانونية وميدانية جديدة تُقصي الفلسطينيين نهائيًا عن إدارة الأرض والموارد، وتعيد تعريف الضفة الغربية باعتبارها مجالًا سياديًا إسرائيليًا.

الخليل تحت الاستهداف

تصدّرت مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية المحتلة، جوهر هذه القرارات، في استهداف مباشر لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997، والذي نظم الصلاحيات الأمنية والإدارية في المدينة. وحذر متابعون من أن أخطر ما ورد في القرارات هو نقل صلاحيات الترخيص والتخطيط والبناء في منطقة تجمع المستوطنين والمسجد الإبراهيمي من بلدية الخليل الفلسطينية إلى “الإدارة المدنية” الإسرائيلية بشكل كامل ودون أي تنسيق.

هذا الإجراء يفتح الباب أمام تسريع الاستيطان داخل قلب المدينة القديمة، وربط البؤر الاستيطانية ببعضها بعضًا، ومنح جيش الاحتلال صلاحيات إزالة أي منشآت فلسطينية تُعتبر “عائقًا” أمام هذا الربط. عمليًا، يعني ذلك تفريغ بلدية الخليل من صلاحياتها في أكثر المناطق حساسية، وتحويلها إلى مجرد كيان شكلي بلا سلطة حقيقية.

ملاحقة البناء الفلسطيني

لم تقتصر القرارات على الخليل، بل امتدت لتشمل مختلف مناطق الضفة الغربية، بما فيها المناطق المصنفة (أ)، في سابقة تُسقط فعليًا أي اعتبار للتقسيمات التي نصت عليها اتفاقيات أوسلو. وأوضح أبو سباع أن سلطات الاحتلال منحت جهات الإنفاذ والرقابة صلاحيات واسعة لملاحقة البناء الفلسطيني، بذريعة حماية المواقع الأثرية والتراثية.

وبالفعل، بدأ تنفيذ هذه السياسة عبر أوامر عسكرية جديدة تتيح المصادرة الفورية لمعدات البناء الفلسطينية في مناطق (ج)، إلى جانب عمليات هدم طالت منازل داخل تجمعات سكانية كبيرة، رغم امتلاكها تراخيص صادرة عن السلطة الفلسطينية، كما حدث في بيت عوا غرب الخليل ومناطق محيطة برام الله. هذه الخطوات تعكس انتقال الاحتلال من سياسة التضييق إلى سياسة التجريف المنهجي للبناء الفلسطيني.

شرعنة الضم قانونيًا

على المستوى الإداري والقانوني، تتجه حكومة الاحتلال إلى تعطيل السجل الفلسطيني لمسح الأراضي، وإلغاء القوانين الأردنية التي ما زالت سارية في الضفة الغربية منذ ما قبل عام 1967. الهدف المعلن هو “توحيد الأنظمة”، لكن الهدف الفعلي يتمثل في تمكين المستوطنين من شراء الأراضي والعقارات مباشرة كأفراد، وبآليات مماثلة لتلك المعمول بها داخل إسرائيل.

اقتحامات الضفة

 

هذه الخطوة، بحسب مراقبين، تشكّل ضمًا صامتًا وعلنيًا في آن واحد، إذ تُسقط الحواجز القانونية التي كانت – ولو نظريًا – تعيق انتقال الملكيات الفلسطينية إلى أيدي المستوطنين، وتفتح الباب أمام عمليات استيلاء وتزوير تطال عقارات تاريخية، خاصة في البلدة القديمة من الخليل.

خطاب حكومي فاضح

عزّزت التصريحات العلنية لوزراء في حكومة الاحتلال دلالة هذه القرارات. إذ وصف وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش الخطوات بأنها “انقلاب” وتعبير صريح عن فرض السيادة الإسرائيلية وإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية. في المقابل، حاول وزير الجيش يسرائيل كاتس تغليف القرارات بذرائع أمنية، معتبرًا أنها تهدف إلى “تعزيز سيطرة الدولة”.

هذا التناقض الظاهري في الخطاب لا يُخفي حقيقة واحدة، وهي أن الحكومة الإسرائيلية باتت تتعامل مع خيار الدولة الفلسطينية باعتباره منتهي الصلاحية، وتسعى إلى ترسيخ واقع الضم الكامل بأدوات قانونية وإدارية، بدل الإعلان السياسي المباشر.

ردود فعل فلسطينية

قوبلت القرارات بموجة تنديد واسعة فلسطينيًا. واعتبرت السلطة الفلسطينية أنها تمثل محاولة مكشوفة لشرعنة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، مطالبة بتدخل دولي عاجل لوقف هذا الانقلاب على القانون الدولي. من جهتها، أدانت بلدية الخليل الخطوات، ووصفتها بأنها انقلاب على الصلاحيات الإدارية والخدماتية، وتكريس لنظام فصل عنصري عبر إنشاء كيان بلدي استيطاني منفصل داخل المدينة.

ودعت حركة حماس إلى تصعيد المواجهة في الضفة الغربية، معتبرة أن القرارات تُنهي عمليًا أي رهان على الحلول السياسية. أما منظمة “سلام الآن” الإسرائيلية فوصفت ما جرى بأنه عملية سطو واسعة النطاق تهدف إلى دفن فكرة الدولة الفلسطينية نهائيًا.

مستقبل الخليل

يحذّر مراقبون من أن تنفيذ هذه القرارات سيؤدي إلى عزل البلدة القديمة وتحويل قلب الخليل إلى كانتون استيطاني منفصل إداريًا وخدماتيًا عن محيطه الفلسطيني. كما سيُفرض تضييق خانق على البناء الفلسطيني، مع منح الاحتلال ذرائع “قانونية” لهدم آلاف المنازل بحجة حماية التراث والآثار.

الأخطر أن إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع الأراضي لليهود يفتح الباب أمام موجة جديدة من الاستيلاء المنظم على العقارات، بما يحوّل الخليل إلى مختبر متقدم لسياسات الضم، تمهيدًا لتعميمها على بقية مدن الضفة الغربية، في واحدة من أخطر مراحل تصفية القضية الفلسطينية منذ أكتوبر 2023.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال