4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: سجون لبنان… مصانعُ الظُّلم في دولةٍ بلا عَدالة

في أيِّ دولةٍ تحترم نفسها، تُشكِّل السجون جزءًا أساسيًا من منظومة العَدالة والإصلاح، وتُعتَبَر مساحةً لإعادة تأهيل الإنسان ودمجه من جديد في المجتمع. أمّا في لبنان، فقد تحوّلت السجون، وفي مقدّمتها سجن رومية، إلى عنوانٍ صارخ لانهيار الدولة، وتفكّك مؤسّساتها

بقلم: د. ليون سيوفي
٩ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
24 مشاهدة
سجون لبنان

سجون لبنان

في أيِّ دولةٍ تحترم نفسها، تُشكِّل السجون جزءًا أساسيًا من منظومة العَدالة والإصلاح، وتُعتَبَر مساحةً لإعادة تأهيل الإنسان ودمجه من جديد في المجتمع. أمّا في لبنان، فقد تحوّلت السجون، وفي مقدّمتها سجن رومية، إلى عنوانٍ صارخ لانهيار الدولة، وتفكّك مؤسّساتها، وغياب رؤيتها الأخلاقية والقانونية، حتى بات السجن مرآةً تعكس حجم الفشل السياسي والإداري والقضائي في هذا البلد.

آلافُ الموقوفين اليوم يقبعون خلف القضبان لسنواتٍ طويلة من دون أحكامٍ قضائية، في مخالفةٍ فاضحة لمبدأ «المتَّهم بريءٌ حتى تثبت إدانته». فالتوقيفُ الاحتياطي، الذي يُفترض أن يكون إجراءً استثنائيًا ومحدودًا، تحوّل إلى عقوبةٍ دائمة تُدمِّر حياة الإنسان قبل أن يُدان. وبطءُ القضاء، ونقصُ القضاة، وتعقيدُ الإجراءات، والتدخّلاتُ السياسية، جعلت العَدالة رهينة الإهمال والعجز، وسط تقصيرٍ واضح من وزارة العدل في فرض إصلاحاتٍ جذرية تضع حدًّا لهذا الظلم المزمن.

وفي ظلّ هذا الواقع، لا تؤدّي السجون دورها الطبيعي كمراكز إصلاح وتأهيل، بل تتحوّل إلى بيئاتٍ مغلقة لإعادة إنتاج الانحراف. فالسجين في لبنان لا يحصل على تعليمٍ فعلي، ولا تدريبٍ مهني، ولا دعمٍ نفسي، ولا برنامجٍ واضح لإعادة اندماجه بعد الإفراج. يدخل بعضهم بسبب مخالفةٍ بسيطة أو قضيةٍ مالية، ويخرج محمّلًا بخبراتٍ إجرامية وعلاقاتٍ منحرفة، لأنّ الدولة تخلّت عن واجبها في إعادة بناء الإنسان، واكتفت بحبسه وإهماله.

ويزداد هذا الواقع قسوةً مع الإهمال الغذائي والصحي داخل السجون. فالوجبات المقدَّمة في معظم الأحيان فقيرة بالقيمة الغذائية، رديئة الجودة، تفتقر إلى البروتين والخضار والفواكه، ولا تراعي الحدّ الأدنى من المعايير الصحية. ويؤدّي هذا الإهمال إلى سوء تغذية، وضعف مناعة، وأمراض مزمنة، وانهيار جسدي ونفسي بطيء. وحين تعجز الدولة عن تأمين وجبةٍ كريمة لسجين، فهي لا تفشل إداريًا فقط، بل أخلاقيًا وإنسانيًا أيضًا.

ومن أخطر الانتهاكات المستمرّة داخل السجون اللبنانية اختلاطُ القاصرين بالموقوفين البالغين، في خرقٍ صارخ للقانون ولأبسط معايير حماية الطفولة. فوضعُ طفلٍ في بيئةٍ إجرامية قاسية يعرّضه للعنف والاستغلال والصدمة النفسية، ويُدمِّر مستقبله قبل أن يبدأ. وهذا السلوك ليس تقصيرًا عابرًا، بل جريمةٌ مكتملة الأركان تتحمّل الدولة مسؤوليتها الكاملة، لأنّها تقتل فرصة الإصلاح في مهدها، وتحوّل الضحية إلى مشروع انحراف دائم.

ولا يقتصر الانهيار على الجوانب القانونية والإنسانية، بل يمتدّ إلى البنية الاجتماعية داخل السجون، حيث تظهر الطائفية والانقسامات المناطقية بوضوح. ففي كثيرٍ من الأحيان، يتجمّع الموقوفون وفق انتماءاتهم، ونادرًا ما يختلطون على أساس المواطنة والاحترام المتبادل. الخوف، وانعدام الثقة، وغياب الإدارة الرشيدة، ونقل خطاب الشارع إلى الداخل، كلّها عوامل تجعل الزنزانة صورةً مصغّرة عن وطنٍ منقسم، عاجز عن بناء هويةٍ جامعة حتى داخل مؤسّساته العقابية.

وتُدار هذه السجون أمنيًا من قبل قوى الأمن الداخلي، غير أنّ الإدارة تكتفي غالبًا بمنطق «ضبط الوضع» بدل معالجته جذريًا. تُعالج المشاكل بالتجاهل، والتوتّر بالفصل، والاكتظاظ بالترحيل، فيما تغيب أيّ سياسةٍ جنائية حديثة تُوازن بين الأمن والعَدالة والكرامة الإنسانية. وهكذا، تستمرّ الحلقة المفرغة: اكتظاظ، عنف، إهمال، انحراف، ثم عودة إلى الجريمة.

أمام هذا المشهد القاتم، يُطرَح العفو العام كحلٍّ سريع لتخفيف الضغط، غير أنّ العفو العشوائي ليس حلًا حقيقيًا، بل هروبٌ من المسؤولية، لأنه قد يضرب هيبة القانون، ويُفرج عن مجرمين خطرين، ويُستغل سياسيًا وطائفيًا. المطلوب هو عفوٌ مدروس وانتقائي، يشمل الموقوفين ظلمًا، والجرائم غير العنيفة، والقضايا البسيطة، ضمن رؤيةٍ إصلاحية شاملة تعالج أصل المشكلة لا نتائجها فقط.

ولا يقتصر هذا الواقع المأساوي على لبنان وحده، بل يتكرّر، بدرجات متفاوتة، في عددٍ كبير من السجون في العالم العربي، حيث تتحوّل مؤسّسات العقاب إلى مساحاتٍ للإهمال والتعذيب الصامت وتكسير الإنسان بدل إصلاحه. في كثيرٍ من هذه الدول، يُعامَل السجين بوصفه رقمًا أو عبئًا يجب عزله، لا إنسانًا أخطأ ويستحق فرصةً ثانية.

إنّ المطالبة بإصلاح السجون ليست دفاعًا عن الجريمة، ولا تبريرًا للانحراف، بل دفاعٌ عن جوهر الدولة نفسها. فالدولة التي تحترم مواطنيها، تحترمهم حتى وهم خلف القضبان. والدولة التي تُهين سجينها، تُهين عدالتها، وتُقوّض ثقة المجتمع بقانونها.

من هم داخل السجون بشر، لهم كرامة، وحقوق، ومستقبل، وعائلات، وأحلام مؤجَّلة. كثيرون منهم ضحايا فقرٍ وإهمالٍ وغياب عدالة، قبل أن يكونوا ضحايا ملفاتٍ قضائية. وحين تُغلِق الدولة عليهم أبواب الأمل، فإنها تفتح أبواب الانفجار الاجتماعي على مصراعيها.

إنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ بتسريع المحاكمات ضمن مهلٍ واضحة، وفصل القاصرين فورًا، وتحسين الغذاء والرعاية الصحية، وإطلاق برامج تأهيل فعلية، ومكافحة الفساد في عقود التموين، وإلغاء التقسيم الطائفي داخل السجون، ودعم القضاء ماديًا وبشريًا. من دون ذلك، ستبقى السجون مصانع للغضب والانحراف، وستبقى الدولة تدفع ثمن فشلها جيلًا بعد جيل.

في لبنان، لا يُسجَن المواطن فقط، بل يُهمَل، ويُجوَّع، ويُكسَر، ويُقسَّم، ويُنسى. قد يكون السجين مخطئًا، لكنّ الدولة أكثر خطأً حين تحوّل العقوبة إلى انتقام، والإصلاح إلى وهم، والعدالة إلى شعارٍ فارغ. فدولة تعجز عن حماية الإنسان في ضعفه، لن تستطيع بناء عدالة في قوّته، ولا مستقبل لأبنائها.

إنّ إصلاح السجون ليس ترفًا حقوقيًا، بل مدخلٌ أساسي لإنقاذ الوطن من إعادة إنتاج الانهيار، وبناء دولةٍ تحترم الإنسان قبل أن تُعاقبه، وتُصلحه قبل أن تُدينه، وتُعيد إليه كرامته قبل أن تُحاسبه.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: سجون لبنان… مصانعُ الظُّلم في دولةٍ بلا عَدالة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°