4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

جيش من الخوارزميات: كيف تخوض وكالة مافات حروب إسرائيل بالذكاء الاصطناعي؟

كشف تقرير إسرائيلي مطوّل عن التحول العميق الذي تشهده المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في إدارة الحروب، عبر الاعتماد المتسارع على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية.

بقلم: عمرو المصري
٩ فبراير ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
20 مشاهدة
كيف تخوض وكالة مافات حروب إسرائيل بالذكاء الاصطناعي

كيف تخوض وكالة مافات حروب إسرائيل بالذكاء الاصطناعي

كشف تقرير إسرائيلي مطوّل، أعدّه المراسل العسكري أمير بوحبوط ونشرته صحيفة جيروزاليم بوست اليمينية، عن التحول العميق الذي تشهده المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في إدارة الحروب، عبر الاعتماد المتسارع على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية. ويخلص التقرير إلى قناعة راسخة داخل وزارة الحرب الإسرائيلية مفادها أن حسم المعارك لم يعد مرتبطًا فقط بعدد الجنود أو المنصات القتالية، بل بامتلاك “أذكى نموذج” داخل رأس الصاروخ، وبالقدر ذاته داخل أدوات المراقبة التي يستخدمها القادة في الميدان.

وينقل التقرير عن العقيد المتقاعد يارون شيريغ، رئيس مديرية الذكاء الاصطناعي والاستقلالية في مديرية البحث والتطوير الأمني (مافات)، قوله إن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى ساحة القتال لا يخلو من الأخطاء، وإن “الحكمة تكمن في تدريب الإنسان والآلة معًا على كيفية التعامل مع هذه الأخطاء”، في إشارة إلى التداخل المتزايد بين القرار البشري والقرار الخوارزمي في الحروب الحديثة.

سباق الزمن والتصنيع

ووفق التقرير، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه مديرية الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تطوير آلات وروبوتات متقدمة، بل يتمثل في القدرة على إيصال هذه القدرات إلى أطراف الميدان بوتيرة صناعية سريعة. ومع بدء الاستعدادات الإسرائيلية لحرب متعددة الجبهات، بات عامل الوقت موردًا حاسمًا لا يقل أهمية عن التكنولوجيا ذاتها.

وفي هذا السياق، جنّدت وزارة الحرب الإسرائيلية عشرات شركات التكنولوجيا الناشئة، تنفيذًا لاستراتيجية المدير العام للوزارة، أمير بارام، نائب رئيس أركان جيش الاحتلال السابق، والتي تقوم على “تسريع وتيرة العمل لضمان تحويل كل خوارزمية متقدمة بسرعة إلى أداة في يد المقاتل على الأرض”، بحسب ما ورد في التقرير.

عقل رقمي محصن

يصف التقرير مقر المديرية الجديدة في أحد أبراج منطقة “غوش دان” بأنه أشبه بـ“دماغ رقمي” للمؤسسة العسكرية، أو ملجأ متقدم معلّق بين السماء والأرض. ويشير إلى أن الإجراءات الأمنية المشددة تبدأ من سلاسل تصاريح الدخول، مرورًا بإجبار العاملين على ترك هواتفهم خارج المكاتب، وصولًا إلى أجهزة مسح البصمات التي تحرس الأبواب المصفحة داخل أماكن العمل نفسها.

ويكشف شيريغ، ردًا على سؤال حول ما حققته هذه الأنظمة في غزة، أن الجواب هو “الكثير من Xs”، في تعبير عسكري يشير إلى عدد القتلى في صفوف “الإرهابيين”، بحسب توصيف جيش الاحتلال، موضحًا أن الأنظمة والتطبيقات والروبوتات التي تطورها “مافات” جعلت جنود الاحتلال وأسلحتهم “أكثر دقة وسرعة وفتكًا من أي وقت مضى”.

البيانات وقود الحرب

يشدد التقرير على أن الوقود الحقيقي للحرب الحديثة ليس العتاد فقط، بل البيانات المتراكمة خلال أكثر من عامين من القتال. وتشمل هذه البيانات تفاصيل دقيقة عن البيئات المفتوحة والمبنية، وأنماط سلوك الخصم، وهو ما يسمح للذكاء الاصطناعي باستخلاص الدروس والاستنتاجات بسرعة قياسية وتحويلها إلى أفضلية عملياتية.

ويستعيد شيريغ حديثًا جمعه بمطوري الأنظمة، موضحًا أن القتال في غزة، وسط الضجيج والفوضى والدمار، يفرض تحديًا هائلًا في تمييز “الشذوذ” داخل المشهد، أي المقاتل أو التهديد المحتمل، خاصة في ظل حركة القوات داخل شوارع مكتظة ومهدمة. وهنا، بحسب شيريغ، تتدخل الآلة لتتعلم شكل “الوضع الطبيعي”، وتحدد مناطق الاهتمام، وتفلتر الضجيج غير المهم، بما يسمح للمشغّل برؤية ما يتعذر على العين البشرية رصده.

الآلة كشريك قتال

ويؤكد التقرير أن دور الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرًا على المراقبة، بل تحول إلى “شريك” فعلي في القتال، يحدد التهديدات أو مؤشرات التهديد حتى قبل وقوع الكمين. فالخوارزميات، وفق شيريغ، لا تمسح المشهد فحسب، بل تبرز ما هو ذي صلة، وتحدد المشتبه بهم، وتفصلهم عن الأحداث الروتينية.

ويضرب مثالًا على ذلك بتأمين قوة هندسية ثقيلة في قطاع غزة، وهي مهمة تبدو روتينية ظاهريًا، لكنها معقدة في بيئة مدمرة ومتغيرة. ويقول إن الأنظمة الجديدة توفر أدوات إنذار مبكر من التهديدات، مؤكدًا أن قدرات السيطرة على الأرض ومرافقة القوات المتحركة ستصبح “أكثر تطورًا” في المرحلة المقبلة.

دماغ للطائرات المسيّرة

ويشير التقرير إلى أن تركيز المديرية ينصب أساسًا على القوات البرية، مع تعاون وثيق مع سلاحي الجو والبحر. ومن خلال الذكاء الاصطناعي، يتم “زرع دماغ” داخل أنواع مختلفة من الطائرات المسيّرة، بحيث تركز فقط على ما هو مرتبط بالمهمة، وتتحول من كاميرا سلبية إلى ماسح ذكي قادر على رصد الحركة المشبوهة، أو الأصوات المحددة، أو الشذوذ الطيفي.

وحدة الطائرات المسيرة التابعة للجيش الإسرائيلي تتدرب بطائراتها المسيرة بالقرب من الحدود السورية، شمال مرتفعات الجولان، 26 يونيو 2025.
وحدة الطائرات المسيرة التابعة للجيش الإسرائيلي تتدرب بطائراتها المسيرة بالقرب من الحدود السورية، شمال مرتفعات الجولان، 26 يونيو 2025. (حقوق الصورة: مايكل جيلادي/فلاش 90)


 

وبحسب شيريغ، فإن الهدف هو إنقاذ المشغّل من الغرق في بحر من الفيديوهات، عبر إبراز المعلومات الحرجة فقط، أي تلك التي تميز بين “ضجيج الخلفية” والهدف الذي يجب “تحييده”.

سدّ العمى الاستخباري

ويكشف التقرير أن المديرية تعمل على منح الأنظمة “عيونًا وآذانًا” جديدة، عبر تطوير وسائل الاستشعار البصرية والصوتية والكهرومغناطيسية، بما في ذلك الرادار، بهدف تعويض ما يسميه شيريغ “العمى الاستخباري” والمفاجأة الأساسية، في إشارة مباشرة إلى هجوم السابع من أكتوبر الذي نفذته حركة حماس على مواقع عسكرية إسرائيلية.

وتندرج هذه الجهود ضمن سياسة شاملة لتعزيز قدرة المناورة البرية، من اكتشاف العبوات الناسفة ومن يزرعها، إلى فتح الطرق، وزيادة الفتك والدعم اللوجستي، خاصة في المناطق البعيدة عن الحدود.

من النخبوي إلى الصناعي

ويشير التقرير إلى أن هذه الطموحات فرضت تغييرًا جذريًا في طريقة إدارة المشاريع داخل وزارة الحرب الإسرائيلية، بعد دروس مستخلصة من مشاريع باهظة الكلفة فشلت في اختبار الواقع. ونتيجة لذلك، تم الانتقال من “منتجات نخبوية” إلى تطويرات صناعية واسعة النطاق تخدم جميع الوحدات المناورة.

ولهذا الغرض، تم إنشاء منتدى رفيع المستوى لمراجعة الالتزام بالجداول الزمنية والميزانيات والمتطلبات العملياتية كل ثلاثة أشهر، بهدف ضمان تحويل الاستثمار إلى حلول عملية في يد الجنود، وتحقيق ما يسميه بارام “عقد أمني متين” يقلص الفجوة الزمنية بين طلب الميدان والتنفيذ الفعلي.

لغة عمليات موحدة

ويبرز التقرير هدفًا استراتيجيًا تسعى المديرية لتحقيقه، يتمثل في إنشاء “لهجة عملياتية موحدة”، أي لغة مشتركة تزيل ما يوصف بـ“برج بابل الرقمي” بين القوات البرية والجوية والبحرية، وتسمح للأنظمة المختلفة بالتواصل والعمل المشترك من الجو إلى البر وبالعكس.

ويهدف هذا التوجه إلى تحويل ساحة المعركة إلى ما يشبه محادثة بسيطة بلغة طبيعية، تتدفق فيها المعلومات دون انقطاع، بما يتيح إغلاق دوائر النيران خلال ثوانٍ، وبمقاومة عالية لمحاولات التشويش المعادي.

من جيش منصات إلى جيش خوارزميات

ويختتم التقرير بالإشارة إلى ثورة أخرى لم يفصّلها شيريغ، تتعلق بالانتقال من جيش يعتمد على المنصات الثقيلة إلى “جيش خوارزميات”، حيث تسمح نماذج ذكية شبيهة بـ“تشات جي بي تي الحربي” بتشغيل عدة أنظمة تسليح في آن واحد، وهي تتواصل فيما بينها بشكل مستقل.

ويخلص التقرير إلى قناعة مركزية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مفادها أن المنتصر في الحروب المقبلة هو من يمتلك النموذج الأذكى داخل رأس الصاروخ وأدوات القائد، القادر على تحديد التهديدات فوق الأرض وتحتها وسط أحياء مدمرة. وينقل عن أحد قادة السرايا المخضرمين قوله إنه يريد “دمجًا لحظيًا للبيانات بين جميع القوات دون كلمة واحدة على اللاسلكي”، مطالبًا بما يشبه “واتساب عملياتي” في هاتفه الشخصي.

وبحسب التقرير، فإن هذا هو التحدي الأكبر أمام مديرية الذكاء الاصطناعي: تحويل أكثر النماذج تعقيدًا في العالم إلى أدوات بسيطة وسهلة الاستخدام، تزيل الضجيج عن القائد، وتقدم له الخلاصة في اللحظة التي يقرر فيها مصير الحياة أو الموت.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال