في هذا الوطن المنكوب، لم يَعُدِ المَرَضُ ابتلاءً طبيعيّاً، بل تحوَّل إلى حُكمٍ بالإعدام الماليّ والاجتماعيّ. فالمواطن الذي يَمرَضُ في لبنان، إن لم يكن مَحميّاً بتأمينٍ أو ضمانٍ صِحّيّ، يُلقى عمليّاً في ساحة إذلالٍ مفتوحة، حيث تُساوَم حياته على أبواب المستشفيات، فلا يُسأل عمّا يُعاني، بل عمّا يملك، ولا يُنظر إلى ألمه، بل إلى قدرته على الدفع.
كم من مريضٍ تُرِك يتألّم لأنّه لا يملك ثمن سريره، وكم من أبٍ باع بيته أو رَهَن أرضه أو دمَّر مستقبل أولاده فقط ليشتري حقّ الحياة. في دولٍ تحترم نفسها، تُعالَج الحيوانات، وخصوصاً الكِلاب، مجّاناً في عياداتٍ حكوميّة، أمّا في لبنان، فيُترَك الإنسان يموت إن لم يدفع، وكأنّ حياة المواطن أقلّ قيمةً من حياة حيوانٍ في دولةٍ محترمة.
لقد تحوَّلت المنظومة الصِّحّيّة إلى سوقِ نِخاسةٍ حديث، المريض زبون، الألم فاتورة، والكرامة بندٌ قابلٌ للشطب. ولم يتوقّف الانهيار عند أبواب المستشفيات، بل امتدّ إلى عيادات الأطبّاء، حيث أصبحت كِلفة المعاينة تتجاوز الخمسين دولاراً، وأحياناً المئة والخمسين، فيما المواطن يتقاضى راتباً لا يكفي ليُعالِج أرنباً، والطبيب يعلم أنّ الرَّواتب تآكلت، وأنّ الليرة انهارت، وأنّ الناس بالكاد تؤمِّن طعامها ودواءها وكهرباءها، ومع ذلك تُفرَض التَّسعيرات وكأنّنا في دولةٍ غنيّة لا في بلدٍ ينهشه الإفلاس.
أين القَسَم؟ أين الرِّسالة؟ أين معنى أن تكون الطِّبابة مِهنةً إنسانيّة لا تجارةً باردة؟ صحيح أنّ هناك أطبّاء شرفاء يُقاومون هذا الانحراف ويقدّمون الضمير على الربح، لكنّ الحقيقة المُرّة أنّ قطاعاً واسعاً بات شريكاً في هذا الجُرم المُنظَّم، يبتزّ المريض، ويُساومه على ضعفه، ويختبئ خلف ذرائع التكاليف والأنظمة، فيما الحقيقة واحدة: الرِّبح قبل الإنسان.
الدولة غائبة، الضمان عاجز، الوزارة صامتة، والشعب متروك لمصيره. من يمرض في لبنان يُعامَل كمُذنِب، كأنّه ارتكب جريمة حين ضعف جسده، وكأنّه اقترف ذنباً حين طلب العلاج. وصدق المثل القائل: «اللهمّ لا تكون تحت رحمةِ حاكمٍ، ولا حكيم»، لأنّ الحاكم الفاسد لا يرى شعبه، والحكيم المتواطئ لا يسمع أنين المرضى.
كيف يسكت اللبنانيّ على هذا الظُّلم؟ كيف يقبل أن يُساوَم على صحّته؟ كيف يتكيّف مع فكرة أنّ زيارة طبيبٍ واحد قد تلتهم نصف راتبه؟ أم وُلِدَ اللبنانيّ ليعيش مَظلوماً، ويُهان في وطنه، ويدفع ثمن الفساد من لَحمه ودَمه؟ وحين تصبح الهجرة الحلّ الوحيد في ذهن الشابّ، وحين يرى المواطن باب المطار أرحم من باب المستشفى، نعرف أنّ الخلل لم يعد صِحّيّاً فقط، بل وطنيّاً وجوديّاً.
هذا ليس نظاماً صِحّيّاً، بل نظام قهرٍ مُنظَّم، وليس فشلاً عابراً، بل جريمة مستمرّة. ومن هنا، ومن موقع المسؤوليّة الوطنيّة، نقول للرأي العام اللبنانيّ بوضوح: نريد ضماناً صحّيّاً شاملاً لكلّ المواطنين دون استثناء، ونريد سقفاً قانونيّاً ملزِماً لتسعيرة المعاينات والاستشفاء، ونريد رقابةً حقيقيّة ومحاسبةً فوريّة، ونريد صندوقاً وطنيّاً لعلاج الحالات الطارئة، ونريد إلزام المستشفيات باستقبال المرضى دون ابتزاز، ونريد إعادة الاعتبار لأخلاقيّات المهنة الطبيّة.
هذه ليست مطالب سياسيّة، ولا شعارات موسميّة، بل حقوق بديهيّة. نريد دولةً تحمي مرضاها لا تبتزّهم، ونظاماً يعالج الإنسان لا يُحاكم فقره، لأنّه لا كرامة لوطنٍ يُذِلّ مريضه، ولا مستقبل لبلدٍ يساوم أبناءه على حياتهم.










