"أميركا أولاً"، "استعادة السيادة"، "تقاسم الأعباء"، "نهاية الحروب التي لا تنتهي". منذ عهد ترامب، أصبحت هذه العبارات شعاراً يومياً لمنسوبي البيت الأبيض، وفي المقابل، برزت لدى الحلفاء الأوروبيين والكنديين والآسيويين مصطلحات مضادة مثل "النظام الدولي القائم على القواعد"، "تعددية الأطراف" و"استقرار عبر التحالفات". هذا التباين اللغوي لم يكن مجرد خلاف خطابي، بل تعكس مرحلة انتقالية في النظام العالمي تتسم بالتنافسية وغياب الاستقرار النسبي، وقد أثار تساؤلات جدية حول مستقبل ما يُعرف بـ"باكس أميركانا" – السلام الأميركي الذي طبع النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن بحلول عام 2026، لم يعد السؤال ما إذا كانت السياسة الأميركية قد تغيّرت، بل ما إذا كان العالم يدخل حقبة انتقالية تتراجع فيها الهيمنة الأميركية، وتتقدّم فيها قوى متوسطة وصاعدة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة.
لكن كان لإدارة ترامب (في ولايتها الأولى ثم الثانية) نمط مُتقلّب في اتخاذ القرار والألاعيب المسنودة "الفُجر" السياسي الإعلامي، ليجمع بين النزعة الانعزالية والتصعيد الانتقائي الانتقامي والشعبوى. كانت مؤشراتها كمية ونوعية بدأت بأولاً: الانسحاب من الأطر متعددة الأطراف لعضوياتها في عشرات الهيئات والاتفاقيات الدولية، وتقليص التمويل المخصص لبعض وكالات الأمم المتحدة، وإعادة التفاوض على اتفاقيات تجارية كبرى (مثل "نافتا" سابقاً).. ثُم التقلب في استخدام القوة العسكرية باستمرار الإنفاق الدفاعي الأميركي عند مستويات تفوق 800 مليار دولار سنوياً، ما يمثل نحو 35–40% من الإنفاق العسكري العالمي.. وتقليص الوجود العسكري في بعض المسارح (أفغانستان والعراق سابقاً)، مقابل تعزيز الانتشار البحري في المحيطين الهندي والهادئ. وتوسع استخدام الطائرات المسيّرة والعمليات الخاصة منخفضة الكلفة سياسياً وارسالها حاملات الطائرات للشرق الأوسط تهديداً لإيران بل ولغيرها. وأخيراً تآكل الثقة بين الحلفاء بعد تصاعد الخلافات مع الاتحاد الأوروبي حول قضايا التجارة والدفاع. وتهديدات ضمنية بإعادة النظر في الالتزام التلقائي بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو. مع فرض تعريفات جمركية أثّرت حتى على شركاء تقليديين.
هذه المؤشرات تكشف مفارقة أساسية: لم تتراجع القوة الصلبة الأميركية كمّاً، لكنها فقدت جزءاً من قدرتها على توليد الثقة والشرعية. وبذلك، انتقل مركز الثقل من "قيادة عبر التحالفات" إلى "إدارة أزمات متفرقة".
فعلى الرغم من استمرار التفوق العسكري والاقتصادي الأميركي (نحو 24–25% من الناتج العالمي الاسمي)، فإن مؤشرات النفوذ النسبي تُظهر تحولات مهمة:
- التجارة الدولية: تراجع الحصة الأميركية من التجارة العالمية مقارنة بصعود الصين والاتحاد الأوروبي.
- التحالفات: تصاعد دعوات "الاستقلال الاستراتيجي" داخل أوروبا، وزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي بصورة مستقلة.
- النفوذ الاقتصادي: توسّع استخدام العملات المحلية في التبادلات بين دول "بريكس"، وتنامي الدعوات إلى تقليل الاعتماد على الدولار في بعض المناطق.
هذه التحولات لا تعني انهيار الهيمنة الأميركية فوراً، لكنها تشير إلى انتقال تدريجي من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تشتتاً.
|
السنة |
الإنفاق العسكري العالمي (تريليون $) |
نصيب الولايات المتحدة ($ مليار) |
نسبة نصيب الولايات المتحدة (%) |
|
2024 |
2.7 |
997 |
37 |
|
2025 |
2.8 |
1,030 |
36.8 |
|
2026 |
2.9 |
1,065 |
36.7 |
مصدر: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)
توضح الأرقام أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر، لكن المنافسة المتزايدة من أوروبا وآسيا تحد من القدرة على فرض قيادة بلا منازع.
الاقتصاد العالمي وصعود آسيا
|
الدولة |
الناتج المحلي الإجمالي الاسمي 2024 ($ تريليون) |
الناتج المحلي الإجمالي الاسمي 2025 ($ تريليون) |
الناتج المحلي الإجمالي الاسمي 2026 ($ تريليون) |
|
الولايات المتحدة |
30.2 |
30.6 |
31.0 |
|
الصين |
18.1 |
18.7 |
19.3 |
|
الهند |
9.8 |
10.4 |
11.0 |
|
الدولة |
حصة الناتج العالمي وفق PPP 2025 (%) |
حصة الناتج العالمي وفق PPP 2026 (%) |
|
الولايات المتحدة |
15 |
14.8 |
|
الصين |
18 |
18.5 |
|
الهند |
12 |
12.5 |
مصدر: صندوق النقد الدولي (IMF)
تشير البيانات إلى انتقال مركز الثقل الاقتصادي نحو آسيا، مع صعود الهند والصين كقوى رئيسية في النمو العالمي.
التجارة العالمية وسلاسل الإمداد
|
السنة |
حجم التجارة العالمية (% من الناتج) |
حصة الولايات المتحدة من التجارة العالمية (%) |
|
2024 |
55 |
13.0 |
|
2025 |
56 |
12.5 |
|
2026 |
57 |
12.2 |
مصدر: البنك الدولي
إعادة هيكلة سلاسل الإمداد وتنوع الشركاء يقللان الاعتماد على الأسواق الأميركية، مؤشراً على تعددية أكبر في التجارة العالمية.
هل تنتهي "باكس أميركانا" في 2026؟ لقد شكّلت الغارة الأميركية على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو حدثاً مفصلياً أعاد إلى الأذهان نماذج التدخل المباشر في أميركا اللاتينية. فزاد من توتر العلاقات مع قوى إقليمية كالبرازيل والمكسيك. ومطالب الاستحواذ على غرينلاند، كما منح روسيا والصين فرصة لتعزيز خطاب "مناهضة الهيمنة الأميركية". بل وأثار مخاوف في الأمم المتحدة من سابقة قانونية تتجاوز مفهوم السيادة.
وبصرف النظر عن التقييم الأخلاقي أو القانوني، فإن الأثر الجيوسياسي كان واضحاً في تآكل إضافي لفكرة "القيادة القائمة على الشرعية"، وتكريس صورة الولايات المتحدة كقوة أحادية تتجاوز المؤسسات الدولية عندما يتعارض ذلك مع مصالحها، لكن كان للفضائح الأخلاقية أثرها على القيادة، مثل قضية جيفري إبستين، تكشف عن أزمة الشرعية الأخلاقية التي تؤثر على القوة الناعمة الأميركية. مع كشف ملايين الصفحات والصور، باتت المؤسسات الأميركية مكشوفة أمام الرأي العام، ما يؤثر على ثقة الحلفاء وعلى القدرة على قيادة النظام الدولي.
الدرس المستفاد: القوة مقابل السمعة
الولايات المتحدة لا تزال قوية، لكنها تواجه اختباراً على مستوى الشرعية الأخلاقية. الفضائح الكبرى تقلل من الثقة الداخلية والخارجية، بينما تتقدم القوى المتوسطة لتعويض بعض الفراغات، وإعادة توازن النظام الدولي. وقد بين خطاب "أميركا أولاً" ومخاوف الحلفاء من انحسار الضمانات الأمنية، وتشكيل نظام دولي أقل يقيناً وأكثر تعددية، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد نشهد نهاية تدريجية لعصر الهيمنة الأميركية الأحادية، لا عبر سقوط مفاجئ، بل عبر تآكل بطيء في الثقة والشرعية. وفي المقابل، قد تنجح القوى المتوسطة في بلورة نموذج قيادي تشاركي، أو قد تبرز الصين كقطب موازن، أو قد يبقى النظام في حالة سيولة مزمنة.
وقفة: إن الأرقام لا تكذب، لكنها أيضاً لا تحسم المستقبل. غير أنها تؤكد أن العالم يقف عند مفترق طرق تاريخي، وأن قيادة القرن الحادي والعشرين لن تُقاس فقط بحجم الجيوش أو الناتج المحلي، بل بقدرة الدول على بناء تحالفات مرنة، وإنتاج شرعية دولية، وإدارة التعقيد العالمي بكفاءة.. والسؤال الأهم والمُلح، أين العرب من كل هذا؟.









