المقدمة: فشل النموذج.. ولادة البديل
لعقود، ساد في الفكر الفلسطيني-العربي افتراض مزدوج: إما "المقاومة المسلحة" المتواصلة، وإما "التفاوض السلمي" المُثمر. قيادة فتح-السلطة اختارت الثانية، بناءً على منطق "التنازل كمدخل للسلام"—تنازلت عن الأرض (78% في أوسلو)، عن المقاومة المسلحة (الاعتراف بإسرائيل 1993)، عن الحقوق (تأجيل حق العودة، "تبادل" القدس)، مقابل "دولة" لم تُولد و"سلطة" أصبحت أداة للاحتلال.
النتيجة: فشل ذريع. لا دولة، لا حقوق، لا مكانة. السلطة الوطنية الفلسطينية—التي أنشئت عام 1994—أصبحت بنية فارغة تُدير شؤون السكان تحت الاحتلال لا تُنهيه. في عام 2024، يبلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية أكثر من 700 ألف (مقابل 200 ألف عام 1993)، بينما تقترب "السلطة" من إلغاء ذاتها وظيفياً (تصريحات مسؤولين فلسطينيين حول "فشل أوسلو"، 2023-2024).
هنا يبرز المشروع البديل: أن تنجح حماس—أو أي قوة مقاومة—بما فشلت فيه فتح. ليس عبر "العناد" الأعمى، بل عبر ذكاء استراتيجي يجمع بين الصمود والمرونة، بين الاحتفاظ بالقوة والانخراط في السياسة، بين الحق الثابت والأدوات المتحولة.
المنطلق: إعادة تعريف "النجاح"
"النجاح" في الصراع مع "إسرائيل"—التي بنت ذاتها على "الردع" و"الحسم"—لا يعني بالضرورة "النصر العسكري الحاسم". في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي-الأمريكي (المساعدات الأمريكية لإسرائيل تتجاوز 3.8 مليار دولار سنوياً، 2016-2028)، "النصر" يُعاد تعريفه: البقاء، التكيف، بناء القدرة المستقبلية.
هذا يقتضي خطاباً ذكياً يحمل شقين متوازيين:
- الشق الأول: التأكيد على الحق الفلسطيني في الأرض، الوجود، العودة، الدولة. هذا الثابت، الأرضية التي لا تتزحزح (الميثاق الوطني الفلسطيني، 1968؛ قرار الأمم المتحدة 194، 1948).
- الشق الثاني: المرحلية—تأجيل المعركة العسكرية الحاسمة، قبول "الحل" المؤقت، فتح فضاء للبناء والتفاوض. هذا المتحول، الأداة التي تُحفظ للزمن المناسب (استراتيجية "الصمود" عند غيفارا، 1960؛ "حرب الشعب" عند ماو تسي تونغ).
"الحل" هنا ليس "تنازلاً"، بل تقسيم للمعركة: المرحلة الحالية للبقاء والبناء، المرحلة المقبلة—عندما تتغير الظروف—لإعادة تفعيل القدرة.
البنية: دور.. أدوات.. أدوار
لضمان عدم الانزلاق إلى "مصير فتح"، يحتاج المشروع إلى تعريف واضح للبنية:
الدور: ليس "حكماً ذاتياً" محدوداً تحت الاحتلال، بل "مقاومة-بناء" مزدوج. المقاومة ليست فعلاً عسكرياً فقط، بل حالة وجودية—رفض الاحتلال، حفظ الهوية، بناء البديل. البناء ليس تطبيعاً، بل تقوية للحاضنة—اقتصادياً، اجتماعياً، مؤسسياً (تجربة "الدولة المظللة" عند كريستوفر كلايفام، 2012).
الأدوات: تعددية، لا أحادية. السلاح المجمد—محتفظ به، غير مستنزف، جاهز للضرورة (صواريخ غزة 2023-2024: 10,000+ صاروخ، قدرة على ضرب العمق الإسرائيلي). السياسة الفاعلة—تفاوض، تحالفات، دبلوماسية، دون الاعتراف بالشرعية الإسرائيلية (ميثاق حماس، 2017: "تحرير فلسطين" هدف، لكن "إدارة التفاوض" أداة). الخدمات المباشرة—للحاضنة، لبناء الثقة، لإثبات أن "الدولة" ممكنة قبل الاعتراف (إدارة غزة 2007-2023: خدمات صحية، تعليم، أمن).
الأدوار: قيادة موحدة، لكن موزعة. عسكرية (الجناح العسكري)، سياسية (المكتب السياسي)، دبلوماسية (العلاقات الإقليمية)، اجتماعية (الحاضنة الشعبية). لا مركزية تُفرغ الآخرين، لا تشتت يُضعف المركز (نموذج "الحزب-الدولة" عند هنري باركي، 2010).
القيادة: الوعي والورقة
"القيادة الواعية" هي العصب. وعي بأن "السلام" المُعرض هو فخ، وأن "الاستيعاب" يحتاج إلى شروط. وعي بأن التنازل يُفقد الورقة، والورقة هي القوة. وعي بأن الزمن ساحة، لا عدواً (نظرية "الصراع الطويل" عند باسكال بونيفاس، 2015).
هنا يبرز دور خالد مشعل—رمزياً ووظيفياً. رمزياً: يمثل الخط الخارجي، العلاقات الإقليمية (تركيا، قطر، إيران)، البعد الدولي، التنقل بين الساحات. وظيفياً: قدرة على التحدث بلغات مختلفة -عسكرية، سياسية، دبلوماسية- دون فقدان المركز. تاريخياً: لم يتنازل—بقي في الخارج، رفض "السلطة" الفارغة، حافظ على الورقة (مشعل: "المقاومة خيار استراتيجي"، 2010-2024).
لكن القيادة—أي شخصية—تحتاج إلى مؤسسة. مشروع "النجاح" لا يعتمد على فرد، بل على بنية تتجاوز الأفراد: آليات قرار، شفافية، مراجعة دورية، تواصل مع القاعدة.
التحدي: كيف لا تُصبح "سلطة"؟
مصير فتح—الانزلاق إلى "السلطة" الفارغة—يبقى الخطر الدائم. "البناء" يُنتج مصالح جديدة، عزلة عن القاعدة، تطبيع تدريجي. "الاستقرار" يصبح هدفاً، يُبعد عن الهدف الأصلي.
للحماية من هذا، يحتاج المشروع إلى:
- التواصل المستمر مع القاعدة: غزة (2.3 مليون نسمة، 2024)، الضفة (3 مليون)، الشتات (6 مليون). القيادة لا تبنى "فوق" الناس، بل "منهم" (دراسات "الحاضنة الشعبية" عند سارة روي، 2011).
- الشفافية في القرار: ما هو "مرحلي"، ما هو "ثابت"، متى تنتهي المرحلة، ما هي شروط العودة (ميثاق حماس 2017: "التحرير" ثابت، "الإدارة" مرحلي).
- المراجعة الدورية: هل "الخل" يُقرب من الهدف، أم يُبعد؟ هل "البناء" يقوي المقاومة، أم يُحوّلها؟ (آليات "التعلم الاستراتيجي" عند هنري مينتزبرغ، 1994).
الخلاصة: إعادة تعريف الصراع
بعد 7 اكتوبر لابد من "مشروع حماس" في إعادة تصحيح أخطاء مسار عملية السلام أوسلو من الداخل منظمة التحرير الفلسطينية—إذا نجح—لن يكون استثناء (غزة)، بل نموذجاً يُعيد تعريف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي برمته. من "دولة ضد مقاومة" إلى "مقاومة-بناء" تُعيد رسم الشروط. من "تفاوض على التنازل" إلى "تفاوض على القوة". من "سلام مُفروض" (أوسلو، 1993؛ "صفقة القرن"، 2020) إلى "توازن رهيب" ينتظر التحول والمتغيرات البيئية الاستراتيجية .
هذا يقتضي ذكاء—الخطاب المزدوج، الاحتفاظ بالورقة القوة، وبناء على ما تسرب الإعلام الأمريكي أن هناك عرض سيقدم لحماس للتنازل على السلاح الذي يسبب اضرار لإسرائيل مقابل ترك السلاح الخفيف وبقاء حماس كجسم سياسي مدني، الوعي بالزمن. ويقتضي صبراً—البناء المؤسسي، التحالفات التكتيكية، التكيف مع "الحل". ويقتضي شجاعة—رفض "السلام" الفارغ، الصمود رغم الضغط، الإيمان بأن "الحق"—مع الوقت والذكاء—يُنتج قوة.
الاستفادة القصوى من تداعيات أحداث 7 اكتوبر إقليميا دوليا ومن تراجع شرعية اسرائيل وإسقاط شرعية القتل لحماية الوجود، وإدراة البقاء في الوقت الذي تصارع فيه دولة إسرائيل داخليا على هوية الدولة والنظام وتصاعد التناقضات الداخلية.
في النهاية، "النجاح" ليس نهاية الصراع، وتحقيق التحرر اليوم، بل نقلة فيه. من "مقاومة تحت الاحتلال" إلى "فاعل يُعيد رسم الأرضية". هذا هو المشروع الحالي.
المراجع:
1. اتفاق أوسلو (1993)؛ اتفاقية القاهرة (1994).
2. الميثاق الوطني الفلسطيني (1968)؛ ميثاق حماس (1988، مُعدّل 2017).
3. قرار الأمم المتحدة 194 (1948)










