تشهد الضفة الغربية تصعيداً ميدانياً جديداً مع استمرار حملات الدهم والاعتقال الواسعة التي تنفذها قوات الاحتلال في المدن والمخيمات والبلدات، في مؤشر على سياسة أمنية تهدف إلى فرض السيطرة الشاملة وإعادة تشكيل الواقع اليومي للسكان. وتكشف العمليات المتزامنة في أكثر من محافظة عن نمط متكرر يقوم على الاقتحام الليلي، وترويع المدنيين، واستهداف البنية الاجتماعية داخل الضفة.
بيت لحم: اقتحامات واعتقالات وترويع للسكان
اقتحمت قوات الاحتلال، فجر السبت، مخيم الدهيشة جنوب مدينة بيت لحم، حيث داهمت عدداً من المنازل وفتشتها وعبثت بمحتوياتها، ما أدى إلى اندلاع مواجهات مع الشبان في محيط المخيم. وتعكس هذه العمليات أسلوباً متكرراً يقوم على استخدام القوة المفرطة داخل المناطق السكنية المكتظة، الأمر الذي يضاعف من احتمالات الإصابات وحالات الاختناق.
كما اعتقلت القوات شابين من بلدة الخضر المجاورة بعد اقتحام منازل عائلتيهما وتفتيشها بدقة، قبل نقلهما إلى جهة غير معلومة، إضافة إلى ملاحقة مواطن في قرية المنيا شرق بيت لحم والاستيلاء على مركبته الخاصة. وامتدت الحملة إلى وسط المدينة، حيث اعتُقل الشاب أحمد الصومان من حارة الفواغرة عقب اقتحام منزله وتفتيشه.
نابلس: قناصة ومداهمات واسعة للمخيمات
في شرق مدينة نابلس، نفذت قوات الاحتلال اقتحاماً واسعاً تخلله نشر قناصة فوق أسطح البنايات السكنية، بالتزامن مع إطلاق كثيف لقنابل الغاز والصوت، ما أدى إلى وقوع إصابات بحالات اختناق بين المواطنين. ويعكس نشر القناصة في الأحياء السكنية مستوى التصعيد العسكري داخل المدن، وتحويلها إلى مناطق مواجهة مفتوحة.
كما داهمت القوات مخيمات بلاطة وعسكر القديم وعسكر الجديد، ونفذت حملة تفتيش طالت عشرات المنازل واعتقلت عدداً من الشبان، عُرف منهم محمد أبو سالم ومحمد سلامة وفجر بنهجاوي، إضافة إلى اعتقال الشاب محمود حسين حنني من بلدة بيت فوريك.
وفي بلدة مادما جنوب نابلس، اقتحمت قوات الاحتلال البلدة واعتقلت ثلاثة شبان هم أحمد حازم نصار وأحمد رأفت نصار وهادي مازن نصار عقب مداهمة منازلهم، في خطوة تعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل القرى المحيطة بالمدن.
قلقيلية والخليل: اعتقالات على الحواجز واقتحامات متكررة
اعتقلت قوات الاحتلال خمسة شبان من مدينة قلقيلية أثناء تواجدهم على حاجز صرة، وهم آدم شطارة وعمر عودة وعمر داود ومازن أبو الشيخ وأحمد الحج حسن، ما يشير إلى اعتماد الحواجز العسكرية كأداة اعتقال ميدانية فورية.
وفي محافظة الخليل، داهمت القوات بلدة بيت أمر ومخيم العروب شمال المحافظة واعتقلت ثلاثة مواطنين على الأقل، في إطار عمليات متواصلة تستهدف هذه المنطقة التي تعد من أكثر مناطق الضفة احتكاكاً مع قوات الاحتلال.
كما شهدت منطقة مسافر يطا اقتحاماً مماثلاً واحتجازاً لعدد من المواطنين، بالتزامن مع اعتداءات نفذها مستوطنون بحق السكان وممتلكاتهم، ما يعكس تكامل الأدوار بين الجيش والمستوطنين في الضغط على التجمعات الفلسطينية، خصوصاً في المناطق المصنفة “ج”.
القدس: حواجز مفاجئة واستهداف للأحياء الفلسطينية
في محافظة القدس، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة عناتا ومخيم شعفاط ونشرت حواجز عسكرية مفاجئة أعاقت حركة المواطنين ودققت في هوياتهم، في خطوة تهدف إلى إحكام السيطرة الأمنية على المداخل والمخارج.
كما داهمت القوات منزل مدير معهد للموسيقى في القدس المحتلة وعبثت بمحتوياته، واعتقلت شاباً من محيط المسجد الأقصى، قبل نقل جميع المعتقلين إلى مراكز التحقيق التابعة للاحتلال.
سياسة استنزاف طويلة الأمد في الضفة
تكشف هذه الحملة الواسعة في الضفة عن استراتيجية تقوم على الاستنزاف المستمر للمجتمع الفلسطيني عبر الاعتقالات الجماعية، والاقتحامات المتكررة، وإشاعة حالة من عدم الاستقرار الدائم. ولا تقتصر أهداف هذه العمليات على البعد الأمني المباشر، بل تمتد لتشمل الضغط النفسي والاجتماعي والاقتصادي على السكان.
كما تشير طبيعة الانتشار الجغرافي للاقتحامات — من شمال الضفة إلى جنوبها مروراً بالقدس — إلى محاولة فرض واقع أمني جديد يحد من أي قدرة على التنظيم الشعبي أو الاستقرار المجتمعي، ويجعل الحياة اليومية رهينة للتحركات العسكرية المفاجئة.
في المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة أن الضفة الغربية تدخل مرحلة تصعيد ممنهج طويل الأمد، تتداخل فيه العمليات العسكرية مع القيود الميدانية، بما يكرس واقعاً أمنياً ضاغطاً يطال مختلف جوانب الحياة الفلسطينية.











