4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

من التنسيق الأمني إلى المواجهة المفتوحة.. كيف أجهزت إسرائيل على بقايا أوسلو؟

هذا التصعيد الميداني يتزامن مع استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، حيث تحول تبادل القصف إلى روتين يومي يهدد بانفجار مواجهة شاملة، مما يضع المنطقة

بقلم: محمد خميس
١٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
8 مشاهدة
الاحتلال

الاحتلال

تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة والحدود الشمالية مع لبنان غلياناً ميدانياً غير مسبوق في مطلع عام 2026، حيث كثفت قوات الاحتلال الإسرائيلي من عملياتها العسكرية في مدن الضفة الغربية، لا سيما في جنين ونابلس وطولكرم، عبر حملات مداهمة ليلية واسعة النطاق واختطافات طالت المئات من الناشطين والمدنيين. 

هذا التصعيد الميداني يتزامن مع استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، حيث تحول تبادل القصف إلى روتين يومي يهدد بانفجار مواجهة شاملة، مما يضع المنطقة بأسرها على حافة الهاوية. 

إن العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة لم تعد تكتفي بالأبعاد الأمنية التقليدية، بل باتت تتخذ طابعاً تدميرياً للبنية التحتية والمؤسساتية، في محاولة لفرض واقع أمني جديد يتجاوز كافة التفاهمات السابقة، وهو ما يعكس رغبة اليمين المتطرف في حسم الصراع ميدانياً قبل الانتقال إلى الخطوات السياسية الكبرى التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي وسط صمت دولي مريب.

 

الانقلاب الإداري

بعيداً عن أزيز الرصاص، تجري في أروقة الحكومة الإسرائيلية تغييرات بنيوية في إدارة الضفة الغربية تمثل "رصاصة الرحمة" على ما تبقى من اتفاق أوسلو؛ حيث تم نقل صلاحيات واسعة من الجيش إلى هيئات مدنية يقودها وزراء من اليمين القومي المتطرف، مما يعني قانونياً الانتقال من حالة "الاحتلال العسكري" المؤقت إلى حالة "الاستعمار المدني" الدائم. 

هذه التحولات السياسية تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة مع الفلسطينيين، بحيث يتم تهميش السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد "وكيل خدماتي" بلا أي أفق سياسي أو سيادي. إن شرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع صلاحيات الإدارة المدنية في مناطق (ج) يمثل إلغاءً فعلياً للتقسيمات الإدارية التي أقرتها اتفاقات التسعينيات، مما يضع المجتمع الدولي أمام واقع جديد يتجاوز حل الدولتين، ويؤسس لنظام قانوني عنصري (أبارتهايد) يدير الأرض بمقاييس توراتية وقومية متطرفة لا تعترف بالحقوق الفلسطينية المشروعة.

الانهيار التدريجي للمنظومة لا الإعلان الرسمي

من الناحية القانونية، يلاحظ المحللون أن منظومة أوسلو لم تنهار بقرار رسمي أو بإعلان انسحاب من أحد الطرفين، بل تآكلت عبر استراتيجية "الانهيار التدريجي" التي تتبعها إسرائيل بذكاء قانوني مفرط.

 إن اتفاق أوسلو كان مبنياً على فكرة "المرحلة الانتقالية" التي تنتهي بقيام كيان فلسطيني مستقر، إلا أن إسرائيل استغلت ثغرات الاتفاق لتحويله إلى حالة دائمة من السيطرة. اليوم، نرى أن الانقلاب القانوني الإسرائيلي يتمثل في "مد الولاية القانونية" الإسرائيلية لتشمل المستوطنين والمدنيين في الضفة بشكل مباشر، وهو ما يتناقض مع جوهر الاتفاق الذي يمنح الولاية الجغرافية للسلطة الفلسطينية. 

هذا التآكل التدريجي يخدم إسرائيل في تجنب التبعات القانونية الدولية لـ"الضم الرسمي"، بينما تحقق على الأرض نتائج الضم الفعلي، مما يجعل العودة إلى طاولة المفاوضات بناءً على مرجعيات أوسلو ضرباً من المستحيل القانوني، حيث تم تجريف الأسس التي قامت عليها تلك التفاهمات عبر سلسلة من المراسيم الإدارية والقوانين التشريعية الصهيونية.

تداعيات الانهيار على الأمن القومي والمنطقة

إن غياب الإطار القانوني الناظم للصراع بعد سقوط أوسلو عملياً يفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة للأمن القومي الفلسطيني والإقليمي؛ فالسلطة الفلسطينية التي استمدت شرعيتها من هذه الاتفاقات تجد نفسها اليوم في مواجهة أزمة وجودية، حيث لم يعد لديها ما تقدمه لشعبها سوى إدارة الأزمات اليومية تحت حراب الاحتلال. 

هذا الفراغ السياسي والقانوني يغذي بالضرورة التوجهات المقاومة في الشارع الفلسطيني الذي بدأ يقتنع بأن المسار الدبلوماسي قد وصل إلى طريق مسدود. 

كما أن ارتدادات هذا الانهيار بدأت تصل إلى العواصم العربية الموقعة على اتفاقات سلام، حيث تشعر هذه الدول بالحرج أمام شعوبها مع استمرار إسرائيل في ابتلاع الأرض ورفض أي تسوية. إن استبدال "قانون الاتفاقات" بـ"قانون القوة" سيؤدي حتماً إلى دورات عنف أكثر دموية، حيث لم يعد هناك سقف سياسي يحمي المدنيين أو ينظم الخلافات، مما يجعل من عام 2026 عام الحسم الميداني بامتياز.

مستقبل الصراع

 يبدو أن فلسطين والمنطقة قد دخلتا فعلياً مرحلة "ما بعد أوسلو"، وهي مرحلة تتسم بالوضوح القاسي؛ حيث لم يعد هناك مجال للمناورة بين "السلام الموعود" و"الاحتلال الواقع".

 إن التغييرات الإسرائيلية في الضفة هي إعلان غير رسمي عن نهاية حقبة التسويات الجزئية، والبدء بمرحلة فرض السيادة الأحادية و إن صمود الفلسطينيين على أرضهم ومواجهتهم للمداهمات والاعتقالات اليومية يمثل العقبة الوحيدة أمام إتمام هذا المشروع.

 وبناءً على التحليل القانوني والميداني، فإن المرحلة القادمة ستشهد محاولات دولية خجولة لإحياء مسارات جديدة، لكنها ستصطدم بواقع استيطاني وقانوني إسرائيلي تم تثبيته بعناية فائقة. 

إن الرهان الآن يكمن في قدرة القوى الفلسطينية على صياغة مشروع وطني جديد يتجاوز إرث أوسلو المنهار، ويستند إلى الحقوق التاريخية والقانون الدولي، لمواجهة الانقلاب الإسرائيلي الشامل الذي يسعى لشطب فلسطين من خارطة المستقبل السياسي للمنطقة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال