4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ربحي الجديلي يكتب: إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني (2)

الفصل بين السياسي والعسكري: قاعدة البقاء في الدول وحركات التحرر

بقلم: د. ربحي الجديلي
١٥ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
16 مشاهدة
فلسطين

فلسطين

مقدمة: من يحكم من؟

أحد أهم الأسئلة في علم السياسة هو: من يملك القرار النهائي في لحظات الحرب والأزمات؟ هل هو العسكري بحكم امتلاكه أدوات القوة؟ أم السياسي بحكم امتلاكه الرؤية والمشروعية والقدرة على تقدير المصالح العليا؟

التجارب التاريخية الحديثة تُظهر أن الدول والمنظمات التي نجحت في تجاوز أزماتها هي تلك التي أبقت القرار في يد السياسي، وجعلت العسكري أداة تنفيذ لا أداة توجيه.

أولاً: القاعدة النظرية — مدنية القرار السياسي

منذ تنظيرات المفكر العسكري البروسي "كارل فون كلاوزفيتز" ، استقر في الفكر الاستراتيجي أن: الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.

ومعنى ذلك أن الأصل هو السياسة، والحرب ليست إلا أداة من أدواتها.

وفي الأدبيات الحديثة حول العلاقات المدنية–العسكرية، خاصة في أعمال "صموئيل فيليبس هنتنغتون"، تم التأكيد على أن استقرار الدول يتطلب:
 خضوع المؤسسة العسكرية للقيادة السياسية.
وضوح الفصل بين من يقرر الأهداف ومن ينفذ الوسائل.

السياسي يحدد:

متى تبدأ الحرب.
 متى تتوقف.
 ما هو الهدف النهائي.
وما هو الثمن المقبول.

أما العسكري فمهمته:
 تنفيذ الخطة.
إدارة العمليات.
 تقديم التقديرات الفنية.

عندما يختلط هذان المستويان، تبدأ الأزمة البنيوية.

ثانياً: لماذا استحواذ العسكر على القرار مشكلة بنيوية؟

حين تنتقل سلطة القرار إلى المؤسسة العسكرية، تظهر عدة اختلالات:
تغليب منطق القوة على منطق المصلحة.
العسكري يفكر في تحقيق النصر التكتيكي، بينما السياسي يفكر في الكلفة الاستراتيجية.
تضييق أفق القرار.
العسكري يرى ساحة المعركة، أما السياسي فيرى الإقليم والعالم والتحالفات والاقتصاد والرأي العام.
صعوبة إنهاء الحرب.
لأن منطق المؤسسة العسكرية يميل بطبيعته إلى الاستمرار في المواجهة ما دام ذلك ممكنًا.
تآكل الشرعية.
حين يتحول القرار إلى قرار عسكري صرف، يفقد المشروع السياسي بُعده التمثيلي والمدني.

التاريخ مليء بدول انهارت لأن المؤسسة العسكرية أصبحت صاحبة القرار، فتحولت الدولة إلى رهينة لمنطق القوة لا لمنطق السياسة.

ثالثاً: إدارة الأزمات تفرض الفصل لا الدمج

في علم إدارة الأزمات، هناك مبدأ أساسي:
لا يجوز للجهة المنفذة أن تتحول إلى جهة تقريرية في لحظة الأزمة.

لماذا؟
لأن الأزمة ترفع منسوب التوتر، والتوتر يُضعف التقدير الهادئ.
والمؤسسة العسكرية تعمل بطبيعتها تحت ضغط مباشر، ما يجعلها أقل قدرة على الحساب السياسي البارد.

إدارة الأزمة تحتاج إلى:
 تقدير شامل للبيئة.
قراءة للتوازنات الدولية.
 حساب للكلفة طويلة المدى.
 رؤية لليوم التالي.

وهذه كلها مهام سياسية في المقام الأول.

رابعاً: في سياقات حركات التحرر

في حركات التحرر، يزداد الخطر؛ لأن البنية العسكرية غالبًا ما تكون هي الأكثر تنظيمًا وقوة، فتتقدم تلقائيًا لملء الفراغ السياسي.

لكن التجارب الناجحة عالميًا تُظهر أن:
الحركات التي حافظت على مرجعية سياسية عليا، نجحت في تحويل العمل العسكري إلى مكسب سياسي.
أما الحركات التي أصبح فيها القرار بيد الجناح العسكري، فقد دخلت في دورات استنزاف مفتوحة.

المشكلة ليست في وجود القوة العسكرية، بل في من يضبط إيقاعها ويحدد سقفها.

خامساً: الدرس العام

أي مجتمع أو كيان سياسي، سواء كان دولة مستقلة أو حركة تحرر، يحتاج إلى معادلة واضحة:
السياسي يقرر — العسكري ينفذ.

عندما ينعكس الترتيب:
* تصبح السياسة أسيرة البندقية.
* وتصبح القرارات الكبرى رهينة التقدير الميداني اللحظي.
* ويغيب السؤال الأهم: ماذا بعد؟

إن أكبر المخاطر التي تواجه الكيانات في الأزمات ليست الهزيمة العسكرية فقط، بل غياب المرجعية السياسية العليا القادرة على ضبط استخدام القوة.

 خاتمة
الفصل بين السياسي والعسكري ليس ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا من شروط البقاء.

القوة ضرورية.
لكن القوة غير المنضبطة سياسيًا قد تتحول من أداة حماية إلى أداة استنزاف.

وفي عالم تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد بالإعلام بالعلاقات الدولية، لم يعد كافيًا أن ننتصر عسكريًا؛
بل الأهم أن نعرف:
 لماذا نحارب؟
 متى نتوقف؟
 وكيف نحول القوة إلى مشروع سياسي مستدام؟

وهذه كلها أسئلة لا يجيب عنها العسكري.. 
بل السياسي.
ـــــــــــــــــ
ضمن سلسلة: إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ربحي الجديلي

سياسي وأكاديمي فلسطيني

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير