في زمنٍ تُسفكُ فيه دماءُ الأبرياء، وتُهدمُ البيوتُ فوق رؤوس ساكنيها، ويُدفن الأطفال تحت الركام، يخرج علينا من يطالبُنا بـ«التطبيع» وكأنّ شيئاً لم يكن، وكأنّ القتلَ تفصيلٌ عابر، وكأنّ الألمَ مجرّدُ رقمٍ في نشرات الأخبار.
أيُّ سلامٍ هذا الذي يُفرَضُ بالقوّة؟
وأيُّ مصالحةٍ تُبنى على جماجم الأبرياء؟
إنّ ما يُطرَح علينا اليوم ليس سلاماً عادلاً، بل استسلامٌ سياسيٌّ مُغلَّف بشعارات براقة. ليس مشروعَ تعايش، بل مشروعَ إخضاع. ليس دعوةً للمستقبل، بل محاولةً لكسر الإرادة، وإسكات الصوت، وإلغاء الحق.
يريدون منا أن نوقّع على وجعنا،
أن نصادق قاتلنا،
أن نبتسم لمن هدم بيوتنا،
أن ننسى من دفن أبناءنا،
وأن نقبل بالظلم تحت عنوان “الواقعية السياسية”.
يريدون سلاماً بلا كرامة،
واستقراراً بلا عدالة،
وتعايشاً بلا حقوق،
وتطبيعاً فوق الدماء.
في منطق القوة السائد اليوم، تُقدَّم المصالح على الإنسان، وتُبرَّر الجرائم باسم الأمن، ويُدان الضحية لأنها ترفض الاستسلام. تُكسر المدن ليُكسَر معها الوعي، ويُراد للشعوب أن ترهق، فتقبل بأي حلٍّ يوقف الألم، ولو كان مذلّاً.
هذه ليست سياسة سلام، بل سياسة ابتزاز.
وليست مصالحة، بل إدارة للصراع لمصلحة طرفٍ واحد.
لقد علّمنا التاريخ أنّ كل سلامٍ لا يقوم على الإنصاف مصيره السقوط،
وأنّ كل اتفاقٍ يُفرَض بالقهر يولّد انفجاراً مؤجّلاً،
وأنّ كل ظلمٍ يُغطّى بالشعارات ينكشف يوماً أمام الحقيقة.
لسنا ضدّ السلام.
نحن مع سلامٍ يحمي الإنسان، لا يدفنه.
مع سلامٍ يعترف بالحق، لا يلغيه.
مع سلامٍ يحفظ الكرامة، لا يدوسها.
أما سلامُ الإكراه،
وتطبيعُ الدم،
ومصالحُ الأقوياء فوق آلام الضعفاء،
فلن يصنع وطناً،
ولن يبني مستقبلاً،
ولن يكتب نهايةً عادلة لهذا الصراع.
الشعوب الحيّة لا تنسى،
ولا تبيع دماءها،
ولا تقايض كرامتها بالوهم.
إنّ الأوطان لا تُبنى بالخضوع، بل بالوعي،
ولا تُحمى بالصمت، بل بالموقف،
ولا تُنقذ بالتطبيع القسري، بل بالعدالة والحرية والكرامة.










