في قراءة تحليلية صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، ترى الباحثتان تامي كنر وغاليا ليندنشتراوس أن ما تشهده العلاقات بين تركيا وإسرائيل منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر لم يعد مجرد أزمة سياسية عابرة أو موجة توتر دبلوماسي جديدة، بل تحوّل إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة تتخذ من القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف ساحة رئيسية لها.
التقرير يضع نقطة البداية عند التحول الذي طرأ بعد الحرب على غزة، إذ تعتبر الدراسة أن أنقرة غادرت نمط “إدارة الأزمات” الذي طبع علاقاتها السابقة مع تل أبيب — بما في ذلك مرحلة ما بعد حادثة مرمرة عام 2010 — وانتقلت إلى ما تصفه الورقة بـ”حملة قانونية شاملة” تهدف إلى إعادة تعريف إسرائيل في الوعي الدولي باعتبارها دولة منتهكة للقانون الدولي وليست دولة تمارس حقها في الدفاع عن النفس.
تركيا وإدانة دائمة
وترى الدراسة أن الخطاب السياسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان شكّل الأساس الرمزي لهذه الحملة، خصوصًا من خلال مقارناته المتكررة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والنازية، ووصفه العمليات في غزة بأنها “إبادة جماعية”. غير أن الباحثتين تؤكدان أن المسألة لا تتعلق بحدة التصريحات بقدر ما تتعلق بوظيفتها؛ إذ بات الخطاب، وفق تقديرهما، جزءًا من سياسة دولة ممنهجة تهدف إلى تثبيت “سردية إدانة” دائمة في الداخل التركي وفي الفضاء الدولي.
وتنتقل الورقة إلى ما تعتبره المرحلة الأهم: تحويل الاتهام السياسي إلى إجراءات قانونية ملموسة. ففي أغسطس 2024 انضمت تركيا رسميًا إلى الدعوى المرفوعة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بشأن انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية، ما وضعها — بحسب التقرير — في موقع طرف فاعل في إجراء قضائي بين دول. كما شاركت في مسارات استشارية أمام المحكمة تتعلق بشرعية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، واعتمدت مخرجات تلك المسارات كأساس لمطالب سياسية علنية.
تركيا تلاحق إسرائيل
وفي موازاة ذلك، دعمت أنقرة — رغم أنها ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية — جهود ملاحقة مسؤولين إسرائيليين عبر قنوات غير مباشرة، وقدّمت مواد إلى الادعاء العام، وأيدت إصدار مذكرات توقيف بحق قيادات إسرائيلية. ووفق التقدير الإسرائيلي، فإن الهدف ليس فقط تحقيق إدانة قانونية، بل إبقاء القيادة الإسرائيلية في موقع “المتهم الدائم” أمام الرأي العام الدولي.
داخليًا، تشير الورقة إلى خطوة وصفتها بالرمزية لكنها ذات أثر سياسي، حين أعلنت النيابة في إسطنبول إصدار مذكرات توقيف بحق 37 مسؤولًا إسرائيليًا، بينهم نتنياهو، بتهم تتعلق بالإبادة وجرائم ضد الإنسانية. ورغم محدودية إمكانية تنفيذ هذه القرارات عمليًا، ترى الدراسة أنها تساهم في تقييد حركة المسؤولين الإسرائيليين وتغذية صورة قانونية سلبية تراكمية.
ولا تتوقف الحملة — وفق التقرير — عند المحاكم، بل تمتد إلى المنظمات الدولية. فقد عملت أنقرة على حشد منظمة التعاون الإسلامي، وعرقلة أشكال من التعاون بين إسرائيل وحلف شمال الأطلسي، كما دفعت في أروقة الأمم المتحدة باتجاه خطوات غير مسبوقة، بينها الدعوة لاستخدام صلاحيات الجمعية العامة في ظل تعطل مجلس الأمن، وعرض إسرائيل كدولة تنتهك بشكل ممنهج قواعد النظام الدولي.
وفي السياق ذاته، تعتبر الدراسة أن الدفاع التركي القوي عن وكالة الأونروا لم يكن مجرد موقف إنساني، بل جزءًا من معركة أوسع تهدف إلى تصوير أي مساس بالوكالة باعتباره مساسًا بالبنية الإنسانية الدولية، وبالتالي تعزيز الإطار الذي يُقدَّم فيه السلوك الإسرائيلي باعتباره تهديدًا للنظام العالمي.
وتواكب هذه التحركات القانونية — بحسب الورقة — إجراءات عملية تمثلت في تعليق التجارة الثنائية، وفرض قيود على المجالين الجوي والبحري أمام طائرات وسفن مرتبطة بإسرائيل، إضافة إلى مبادرات تشريعية في البرلمان التركي تدعو إلى خطوات عقابية إضافية. وترى الباحثتان أن هذه الإجراءات تنقل العلاقة من مستوى التوتر السياسي إلى مستوى القطيعة شبه الاستراتيجية.
تركيا ودعم خارج الأطر الرسمية
كما تشير الدراسة إلى دعم أنقرة مبادرات موازية خارج الأطر الرسمية، مثل تنظيم فعاليات ذات طابع “شبه قضائي” في إسطنبول خلصت إلى اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. ورغم عدم امتلاك هذه المبادرات صفة قانونية ملزمة، فإنها — بحسب التقدير الإسرائيلي — تغذي المناخ القانوني والسياسي المحيط بالقضايا الرسمية وتُبقي الضغط قائمًا حتى في غياب أحكام نهائية.
أما على مستوى الدوافع، فتربط الورقة بين التحركات التركية وسعي أنقرة لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية ذات خطاب يتحدى النظام الدولي الغربي، مستفيدة من المناخ الدولي الناقد لإسرائيل منذ اندلاع الحرب، ومن تراجع الضغوط عليها في ملفات أخرى. كما ترى أن أنقرة تسعى إلى تثبيت موقع مؤثر لها في ترتيبات “اليوم التالي” في غزة، بحيث تتحول من طرف مراقب إلى لاعب مركزي في أي صيغة سياسية أو أمنية مستقبلية.
وتخلص الدراسة إلى أن حجم ونوعية الخطوات التي اتخذتها تركيا منذ أكتوبر 2023 قلّصت بصورة حادة فرص العودة السريعة إلى مسار تطبيع أو تعاون حتى لو كان محدودًا. فالمواجهة — كما تصفها — لم تعد خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه بتسوية دبلوماسية، بل تحولت إلى صراع على الشرعية وعلى تعريف السلوك الإسرائيلي في النظام الدولي.
بهذا المعنى، ترى الورقة أن المعركة بين أنقرة وتل أبيب لم تعد تدور فقط في سماء غزة أو على حدودها، بل انتقلت إلى ساحات المحاكم الدولية وأروقة الأمم المتحدة، حيث يجري — وفق القراءة الإسرائيلية — اختبار مكانة إسرائيل وحدود قدرتها على العمل في بيئة دولية تزداد استقطابًا وتعقيدًا.
تركيا تركيا










