4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

حين تتحول الإضرابات إلى إنذار سياسي: هل ينقذ الاقتصاد الاجتماعي تونس من دوامة الاحتقان؟

تشهد تونس منذ سنوات موجات متكررة من الإضرابات والتحركات الاجتماعية التي تعكس عمق الأزمة الاقتصادية وتراكم الإحباط الشعبي.

بقلم: سماح عثمان
١٦ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
12 مشاهدة
تونس

تونس

تشهد تونس منذ سنوات موجات متكررة من الإضرابات والتحركات الاجتماعية التي تعكس عمق الأزمة الاقتصادية وتراكم الإحباط الشعبي.

هذه الإضرابات لا تقتصر على قطاع بعينه، بل تمتد من الوظيفة العمومية إلى النقل والصحة والتعليم، في صورة تعكس هشاشة المنظومة الاقتصادية التقليدية وعجزها عن تلبية الحد الأدنى من تطلعات المواطنين. وبحسب بيانات صادرة عن الاتحاد العام التونسي للشغل، فإن وتيرة التحركات الاحتجاجية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة والتضخم.

في المقابل، تجد السلطة نفسها أمام معادلة صعبة: كيف يمكن احتواء الغضب الاجتماعي دون موارد مالية كافية، في ظل ضغوط المديونية وتراجع الاستثمار؟ هذا السؤال لم يعد اقتصاديًا صرفًا، بل أصبح سياسيًا بامتياز، إذ بات الاستقرار الاجتماعي شرطًا لبقاء الاستقرار السياسي، في وقت تعيش فيه البلاد تحولات مؤسسية عميقة منذ يوليو 2021.

تونس وجذور الأزمة

ترتبط الإضرابات في تونس بجملة من العوامل البنيوية، في مقدمتها اختلال التوازن بين الجهات الساحلية والمناطق الداخلية، حيث تتفاقم البطالة ويضعف الاستثمار العمومي والخاص. ووفقًا لتقارير المعهد الوطني للإحصاء، لا تزال نسب البطالة، خصوصًا بين الشباب وحاملي الشهادات العليا، عند مستويات مقلقة، ما يعمّق الشعور بانسداد الأفق ويغذي الاحتجاجات المتكررة.

كما أن تآكل الطبقة الوسطى بفعل التضخم وارتفاع الأسعار جعل قطاعات واسعة من المجتمع تنزلق نحو الهشاشة الاقتصادية، وهو ما يفسر اتساع رقعة الإضرابات من مطالب فئوية إلى مطالب ذات طابع معيشي شامل. وتُظهر هذه الديناميكية أن الأزمة ليست ظرفية، بل تعبير عن نموذج تنموي فقد قدرته على الاستجابة للواقع الاجتماعي الجديد.

مفهوم الاقتصاد الاجتماعي

في خضم هذا المشهد المأزوم، يبرز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كخيار استراتيجي يمكن أن يسهم في إعادة التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي. يقوم هذا النموذج على مبادئ المشاركة المجتمعية، والحوكمة الديمقراطية، وتغليب البعد الاجتماعي على منطق الربح الصرف، من خلال التعاونيات والجمعيات والشركات ذات البعد التضامني.

هذا التصور لا يعني إلغاء دور الدولة أو القطاع الخاص، بل إعادة توزيع الأدوار بما يخلق مساحات إنتاج محلية قادرة على امتصاص البطالة وتعزيز الإدماج الاقتصادي. ومن خلال تمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها بصورة تشاركية، يمكن الحد من الشعور بالتهميش الذي يغذي موجات الغضب والإضراب.

الاستقرار السياسي

إن العلاقة بين الاقتصاد الاجتماعي والاستقرار السياسي علاقة عضوية، إذ يسهم هذا النموذج في تخفيف حدة التوتر الاجتماعي عبر خلق فرص عمل مستدامة وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة. فعندما يشعر الأفراد بأنهم شركاء في العملية الاقتصادية، لا مجرد متلقين لسياسات فوقية، تتراجع قابلية الانخراط في احتجاجات تصادمية، ويتحول الفعل الاجتماعي إلى مسار تفاوضي تشاركي.

كما أن الاقتصاد الاجتماعي يعزز الشرعية السياسية، لأنه يربط الأداء الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية. وفي سياق مثل تونس، حيث تراجعت الثقة في المؤسسات الرسمية، يمكن لهذا النموذج أن يشكل جسرًا لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة، شرط أن يحظى بإطار قانوني واضح ودعم مالي فعّال.

تحديات التنفيذ

رغم جاذبية الطرح، يواجه الاقتصاد الاجتماعي في تونس تحديات هيكلية، أبرزها ضعف التمويل، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وغياب ثقافة تعاونية راسخة في بعض القطاعات. كما أن نجاح هذا النموذج يتطلب إصلاحًا شاملًا لمنظومة الحوكمة، حتى لا يتحول إلى مجرد شعار سياسي دون أثر فعلي على الأرض.

إضافة إلى ذلك، يبقى الرهان الأكبر في القدرة على إدماج الاقتصاد الاجتماعي ضمن رؤية تنموية وطنية متكاملة، لا أن يُستخدم كحلّ ترقيعي لامتصاص الغضب المؤقت. فالاستقرار السياسي لا يُشترى بإجراءات ظرفية، بل يُبنى عبر إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس العدالة والكرامة والمشاركة.

أفق مفتوح

تونس اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما استمرار دوامة الإضرابات بوصفها انعكاسًا لعجز النموذج الاقتصادي التقليدي، أو الشروع في مسار إصلاحي يعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع. الاقتصاد الاجتماعي ليس عصا سحرية، لكنه قد يكون نقطة انطلاق نحو استقرار أكثر رسوخًا، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والبيئة التشريعية الداعمة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال