21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

لبنان على مفترق التوازن ..هل يعود سعد الحريري ليُعيد التوازن؟.. ليون سيوفي يجيب

قال د. ليون سيوفي الباحث السياسي والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية ، عايشتُ عن قرب تحولات لبنان وانكساراتها، وراقبتُ كيف تآكلت التوازنات

بقلم: سماح عثمان
١٨ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
34 مشاهدة
لبنان على مفترق التوازن ..هل يعود سعد الحريري ليُعيد التوازن؟

لبنان على مفترق التوازن ..هل يعود سعد الحريري ليُعيد التوازن؟

​​​​قال د. ليون سيوفي الباحث السياسي والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية ، عايشتُ عن قرب تحولات لبنان وانكساراتها، وراقبتُ كيف تآكلت التوازنات حتى بات السؤال عن عودة «تيار المستقبل» إلى العمل السياسي سؤالًا وطنيًا يتجاوز الأشخاص والأحزاب. المسألة لم تعد متصلة باسم سعد الحريري فحسب، بل بمصير رئاسة الحكومة، وبموقع الشارع السنّي في المعادلة الداخلية، وبقدرة النظام السياسي على استعادة حدٍّ أدنى من التوازن.

ويؤكد سيوفي لـ"180 تحقيقات"، حين قرر الحريري تعليق عمله السياسي، كان البلد يدخل واحدة من أكثر مراحله ظلمة، حيث الانهيار المالي يتسارع، والمؤسسات تفقد فاعليتها، والثقة الداخلية والخارجية تتآكل. ومنذ تلك اللحظة، شهدنا فراغًا سياسيًا داخل البيئة السنّية انعكس ارتباكًا عامًا وتشتتًا في المواقف، وأضعف قدرة هذه الشريحة الأساسية في النسيج اللبناني على التأثير في مسار القرار الوطني.

 

لبنان وتحوّل الإقليم

لا يمكنني، كباحث، أن أفصل أي حديث عن عودة «المستقبل» عن التحولات الإقليمية العميقة، ولا سيما تبدّل مقاربة السعودية للملف اللبناني. فالمملكة التي شكّلت تاريخيًا رافعة سياسية واقتصادية لمرحلة كاملة في لبنان، لم تعد تتعامل بعقلية الدعم المفتوح، بل باتت تقارب الساحة اللبنانية من زاوية النتائج لا النوايا، ومن زاوية المشاريع لا الأشخاص.

في تقديري، لم يعد السؤال المطروح: هل تسمح السعودية بعودة الحريري أم لا؟ بل: ما هو المشروع الذي ستحمله هذه العودة؟ هل هي استعادة لخطابٍ سابق لم يعد يلامس أولويات الداخل، أم إعادة صياغة لرؤية إصلاحية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة وسيادتها؟ العلاقة مع المحيط العربي لم تعد عاطفية أو رمزية، بل مشروطة بالأداء وبالقدرة على إنتاج استقرار فعلي.

حكومة نواف سلام

ويقول سيوفي، يُطرح كذلك سؤالٌ مشروع حول انعكاس أي عودة محتملة على موقع رئيس الحكومة الحالي نواف سلام. ومن موقعي كمراقب ومشارك سابق في الاستحقاقات الوطنية، أرى أن المعادلة ليست بهذه البساطة. عودة زعيم سياسي لا تعني تلقائيًا إسقاط حكومة أو إلغاء حضور رئيسها، لأن بقاء الحكومات في لبنان يرتبط بتوازنات نيابية دقيقة وبشبكة توافقات داخلية وخارجية معقدة.

إن مصير أي حكومة يُحسم في البرلمان وفي موازين القوى، لا في الرغبات أو التوقعات. وإذا لم تترافق العودة مع كتلة وازنة وتحالفات واضحة وبرنامج قابل للتطبيق، فلن تتحول إلى قوة حاسمة. أما إذا جاءت ضمن إطار سياسي متماسك يطرح رؤية إصلاحية حقيقية، فقد تعيد تشكيل المشهد من دون أن يكون ذلك قائمًا على منطق الإقصاء أو الاحتكار.

تحوّل الشارع

من خلال قراءتي للتحولات الاجتماعية، أرى أن الشارع السنّي تغيّر بعمق. لم تعد الزعامة تُمنح على أساس الإرث السياسي أو الرمزية التاريخية، بل على أساس القدرة على تقديم حلول واقعية لأزمات معيشية خانقة. الناس اليوم تبحث عن استقرار وفرص عمل واستعادة كرامة الدولة، لا عن استعادة صور الماضي.

لهذا أعتبر أن قدرة الحريري على استعادة موقعه، إن قرر العودة، ستُقاس بطبيعة خطابه الجديد وبوضوح برنامجه الإصلاحي. هل سيقدّم مراجعة صريحة للتجربة السابقة؟ هل سيطرح خطة متكاملة تعالج جذور الانهيار؟ أم ستكون العودة مجرد محاولة لترميم حضور سياسي تآكل بفعل الأزمات؟ في الحالة الأولى قد يصبح مرشحًا طبيعيًا لرئاسة الحكومة، أما في الحالة الثانية فستبقى الزعامة موزعة داخل الساحة السنّية، ويستمر التعدد من دون حسم.

بين النفوذ والدولة

من تجربتي في العمل العام ، أدرك أن لبنان لم يعد يحتمل عودة إلى منطق الزعامات التقليدية. نحن أمام اختبار وطني حقيقي: هل ستكون أي عودة سياسية خطوة في اتجاه بناء الدولة، أم إعادة إنتاج لمنطق التسويات الذي أوصلنا إلى هذا الانهيار؟

لبنان اليوم لا يحتاج إلى استعادة نفوذ بقدر ما يحتاج إلى استعادة ثقة. لا يحتاج إلى إعادة توزيع حصص، بل إلى إعادة تأسيس مفهوم الدولة ومؤسساتها. وأي عودة لا تنطلق من هذا الفهم العميق ستصطدم بواقع تغيّر جذريًا، وبشارع لم يعد يمنح شرعية مجانية لأحد.

من هنا، أرى أن عودة «تيار المستقبل»، إن حصلت، ستكون اختبارًا لا لشخص سعد الحريري فقط، بل للطبقة السياسية بأكملها. فإما أن تكون جزءًا من مشروع إنقاذ سيادي يعيد التوازن ويستنهض المؤسسات، وإما أن تكشف حدود الزعامة في زمن الانهيار، حيث لا مكان إلا للمشاريع القادرة على بناء دولة، لا لإدارة أزمة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال