21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: لحظة تُحارِبُ الفساد بِفَسادٍ أَعظَم.. إلى أَينَ المَصير؟

في لبنان، لا تَكمنُ المُفارقةُ في وجودِ الفساد، بل في ادِّعاءِ مُحارَبته بأدواتِه ذاتِها، تُرفَعُ الشِّعاراتُ عالياً، وتُعقَدُ المؤتمرات، وتُطلَقُ الخُطَط، ثمّ نكتشفُ أنّ الإصلاح بات عنواناً لتبادلِ الحصص، وأنّ «المحاسبة» تحوّلت إلى سِلاحٍ انتقائيّ يُشهرُ في وجهِ الخصوم ويُغمدُ عند الحلفاء. هكذا تُدارُ الدولة: ازدواجيّةٌ في الخطاب، وازدواجيّةٌ في التطبيق، ونتيجةٌ واحدة… المزيدُ من التآكل.

بقلم: د. ليون سيوفي
١٨ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
10 مشاهدة
د. ليون سيوفي يكتب: لحظة تُحارِبُ الفساد بِفَسادٍ أَعظَم.. إلى أَينَ المَصير؟

د. ليون سيوفي يكتب: لحظة تُحارِبُ الفساد بِفَسادٍ أَعظَم.. إلى أَينَ المَصير؟

في لبنان، لا تَكمنُ المُفارقةُ في وجودِ الفساد، بل في ادِّعاءِ مُحارَبته بأدواتِه ذاتِها، تُرفَعُ الشِّعاراتُ عالياً، وتُعقَدُ المؤتمرات، وتُطلَقُ الخُطَط، ثمّ نكتشفُ أنّ الإصلاح بات عنواناً لتبادلِ الحصص، وأنّ «المحاسبة» تحوّلت إلى سِلاحٍ انتقائيّ يُشهرُ في وجهِ الخصوم ويُغمدُ عند الحلفاء. هكذا تُدارُ الدولة: ازدواجيّةٌ في الخطاب، وازدواجيّةٌ في التطبيق، ونتيجةٌ واحدة… المزيدُ من التآكل.

الأخطرُ أنّهم يَحمونَ الكاذبَ بكِذبةٍ أَكبر، ويُسوِّقونَ للرأي العام رواياتٍ مُفصّلة على قياسِ مصلحتهم. تُصاغُ الوقائعُ بمهارة، وتُقطَّعُ الحقائقُ بما يخدمُ السرديّة الرسميّة، بينما تُهمَّشُ الأسئلةُ الجوهرية: أين ذهبت الأموال؟ من عطّل المؤسّسات؟ من حمى الصفقات؟ ومن عطّل القضاء حين اقترب من الخطوط الحمراء؟ إنّ تَكريسَ ثقافةِ الإفلات من العقاب هو أخطرُ من أيّ ملفّ فسادٍ منفرد، لأنّه يُحوِّلُ الاستثناءَ إلى قاعدة.

إنّ القانُونَ ليس شعاراً يُستَخدَم عند الحاجة، بل مِعيارٌ ثابت. قد يتأخّرُ مسارُ العدالة، لكنّه لا يُلغى. التجاربُ في دولٍ كثيرةٍ أثبتت أنّ الأنظمةَ التي استهانت بالمحاسبة دفعت الثمن مضاعفاً: فقدانَ الثقة، هروبَ الاستثمار، تَفكُّكَ المؤسّسات، وتآكلَ شرعيّة الحكم. والدولةُ التي تُفَرِّطُ بهيبتها لا تُستعادُ بخطابٍ انفعاليّ، بل بإصلاحٍ بنيويّ يبدأ من استقلالِ القضاء، وشفافيّةِ المال العام، وفصلِ المصالح الخاصّة عن القرار العام.

لبنانُ اليوم أمام خيارٍ تاريخيّ: إمّا الاستمرارُ في تدويرِ الأزمة عبر تسوياتٍ مؤقّتة تُنتِجُ أزماتٍ أكبر، وإمّا الانتقالُ إلى منطق الدولةِ الفعليّة. الدولةُ التي تُخضِعُ الجميعَ للقانون بلا استثناء؛ تُحدِّدُ أولويّاتها بوضوح؛ وتُعيدُ بناءَ الثقةِ بين المواطن والمؤسّسة. فلا اقتصادَ يقومُ بلا قضاءٍ مستقلّ، ولا استقرارَ بلا عدالةٍ نزيهة، ولا سيادةَ بلا قرارٍ وطنيّ مُتحرِّرٍ من المحسوبيّات.

إنّ الرهانَ الحقيقيّ ليس على تبديلِ الوجوه، بل على تبديلِ المنهجيّة. الإصلاحُ ليس بياناً ولا حملةً إعلاميّة، بل إجراءاتٌ مُتدرّجةٌ قابلةٌ للقياس: كشفُ الحسابات، نشرُ العقود، رقمنةُ المعاملات، حمايةُ المُبلّغين، وتفعيلُ أجهزةِ الرقابة بعيداً عن التدخّل السياسي. هذه ليست ترفاً تقنيّاً، بل شروطُ بقاء.

قد يَظنّ البعضُ أنّ إدارةَ الوقت تُنقذُهم، وأنّ الذاكرةَ العامّة قصيرة. لكنّ الأوطانَ لا تُدارُ بمنطقِ المراهنة على النسيان. حين تتراكمُ الأكاذيبُ، تُصبحُ الحقيقةُ صادمة؛ وحين تتراكمُ المخالفاتُ، تُصبحُ المحاسبةُ حتميّة. والسؤالُ الذي ينبغي أن يُطرَح اليوم: هل نريدُ دولةً تُحارِبُ الفسادَ بصدق، أم سلطةً تُجيدُ تسويقه؟

الجوابُ لن يُكتَب في بيانٍ، بل في مسارٍ. مسارٍ يُعيدُ الاعتبارَ لهيبةِ القانُون، ويُغلِقُ أبوابَ التبرير، ويُرسّخُ قناعةً بسيطة: لا أحدَ فوقَ المحاسبة. عندها فقط، يُمكنُ أن نَنتظرَ من الغدِ ما هو أفضل من الأمس

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير