رفعت القوات الأميركية المتمركزة حول إيران مستوى استعداداتها القتالية، واتخذت مواقع هجومية متقدمة توحي بقرب تنفيذ ضربة عسكرية قد تقع في أي وقت، ربما قبل نهاية الأسبوع الجاري. وقد تزامن ذلك مع وصول عشرات الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي إلى المنطقة، في استعراض قوة يكشف نزعة واشنطن لفرض إرادتها بالقوة. ومع ذلك، لم يتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً نهائياً بعد، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عن مسؤولين في الإدارة الأميركية والبنتاجون.
وأكد مسؤولون لشبكة CNN أن الجيش الأميركي أصبح في حالة جاهزية كاملة لتنفيذ هجوم ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأن البيت الأبيض تلقى إحاطة تفيد بإمكانية تنفيذ العملية فور صدور الأوامر. وجاء ذلك بعد حشد جوي وبحري مكثف خلال الأيام الماضية، شمل تعزيزات كبيرة في المنطقة واقتراب وصول حاملة الطائرات الثانية “جيرالد فورد”.
ورغم هذا الاستنفار، أشار أحد المصادر إلى أن ترامب عبّر في مداولات خاصة عن مواقف متباينة بين تأييد العمل العسكري ومعارضته، وأنه استشار مساعديه وحلفاءه حول الخيارات المتاحة. كما أكدت المصادر أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيحسم قراره قبل نهاية الأسبوع، إذ يقضي وقتاً طويلاً في دراسة الأمر.
حشد عسكري يمنح واشنطن خيار العدوان
ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة بلغ مستوى يتيح للرئيس اتخاذ قرار الهجوم في أي وقت. ووفق مسؤولين أميركيين، يشمل هذا الحشد عشرات طائرات التزود بالوقود التي أرسلتها القيادة المركزية على وجه السرعة، وأكثر من خمسين مقاتلة إضافية، إضافة إلى مجموعتي حاملات طائرات هجوميتين ترافقهما مدمرات وطرادات وغواصات.
وأشار المسؤولون إلى أن حاملة الطائرات “جيرالد فورد”، الأكبر والأكثر تطوراً في العالم، والتي أمر ترامب بإرسالها من منطقة الكاريبي، كانت تقترب من مضيق جبل طارق للانضمام إلى حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” الموجودة بالفعل في المنطقة.
F/A-18 Super Hornets from Strike Fighter Squadron 14 land on the deck of USS Abraham Lincoln (CVN 72) in the Arabian Sea. When launched from a catapult an aircraft carrier, the Super Hornet can go from a full stop to airborne in under 3 seconds. pic.twitter.com/0mRLNMiwuJ
— U.S. Central Command (@CENTCOM) February 18, 2026
أهداف إيرانية واسعة على قائمة الضربات
بحسب الصحيفة الأميركية، فإن طبيعة هذا الحشد تشير إلى أن واشنطن لا تستعد لضربة محدودة، بل لعمليات واسعة قد تستهدف مواقع الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، ومستودعات التخزين، والمنشآت النووية، إضافة إلى مقار الحرس الثوري الإيراني وأهداف عسكرية أخرى. ويظل القرار النهائي بشأن حجم العملية ونطاقها بيد ترمب شخصياً.
وأوضح مسؤولون أن الولايات المتحدة عززت قدراتها الدفاعية منذ أن لوّح الرئيس الأميركي لأول مرة بضرب إيران في يناير الماضي، في محاولة لحماية قواتها من أي رد انتقامي محتمل.
البنتاجون يعزز دفاعاته
اعترف مسؤولون بأن القوات الأميركية في الشرق الأوسط لم تكن قادرة سابقاً على تنفيذ تهديدات ترامب بسبب نقص أنظمة الدفاع الجوي اللازمة لحماية قواعدها، التي تضم ما بين 30 و40 ألف جندي موزعين على عدة دول، إضافة إلى ثماني قواعد دائمة.
كما أن المقاتلات المطلوبة للعملية كانت متمركزة في أوروبا والولايات المتحدة، بينما كانت معظم المعدات العسكرية التي تراكمت خلال عقدين من الحروب قد غادرت المنطقة.
وخلال الشهر الماضي، نقلت واشنطن منظومات دفاع متطورة، بينها “باتريوت” و“ثاد”، القادرتان على اعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية. وأكد مسؤول عسكري أن هذه الأنظمة تمنح الجيش القدرة على حماية قواته وحلفائه في حال تعرضوا لرد إيراني، على الأقل خلال حملة قصيرة، لكنه تساءل عما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لتحمل حرب طويلة.

مقاتلات وقاذفات وحاملات طائرات
يشمل الحشد أيضاً عشرات المقاتلات من طراز F-35 وF-22 وF-16 التي انتقلت من الولايات المتحدة إلى أوروبا ثم الشرق الأوسط، إضافة إلى طائرات التزود بالوقود الضرورية لأي حملة جوية ممتدة.
كما يُتوقع وصول حاملة الطائرات “جيرالد فورد” مع مدمراتها الثلاث إلى البحر المتوسط قريباً، ومن المرجح نشرها قبالة إسرائيل للدفاع عن تل أبيب ومدن أخرى. وتمتلك حاملات الطائرات أنظمة دفاع خاصة بها، بما في ذلك سفن مرافقة قادرة على اعتراض الصواريخ، كما أن إصابة حاملة طائرات بصاروخ باليستي تُعد مهمة صعبة إذا كانت تتحرك بسرعة.
وأشار مسؤولون أيضاً إلى وضع القاذفات الاستراتيجية B-2، التي استُخدمت سابقاً في ضرب إيران، في حالة تأهب مرتفعة، إلى جانب قاذفات بعيدة المدى أخرى داخل الولايات المتحدة.
مفاوضات جنيف بلا نتيجة
على الصعيد الدبلوماسي، تبادل مفاوضون أميركيون وإيرانيون مذكرات لمدة ثلاث ساعات ونصف خلال محادثات غير مباشرة في جنيف، لكنهم غادروا دون تحقيق تقدم واضح. وقال كبير المفاوضين الإيرانيين إن الطرفين اتفقا على مبادئ عامة، بينما أكد مسؤول أميركي أن تفاصيل كثيرة لا تزال عالقة.
واشنطن تتحدث عن الدبلوماسية وتلوّح بالحرب
قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن إيران قد تقدم تفاصيل إضافية حول موقفها خلال أسبوعين، لكنها لم تؤكد ما إذا كان ترامب سيمتنع عن العمل العسكري خلال تلك الفترة. ومن المتوقع أن يزور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إسرائيل للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وإطلاعه على نتائج المحادثات.
وأكدت المتحدثة أن الدبلوماسية تظل الخيار الأول للرئيس، لكنها شددت على أن العمل العسكري لا يزال مطروحاً، مشيرة إلى وجود “أسباب وحجج” يمكن استخدامها لتبرير ضربة ضد إيران، وأن القرار يعتمد على مشورة فريق الأمن القومي.
وقد أدت هذه التصريحات المتناقضة إلى زيادة المخاوف من اندلاع صراع عسكري، رغم الحديث العلني عن الأمل في الحل السياسي.
إيران تتحصن وتستعد للأسوأ
في المقابل، تعمل إيران على تعزيز تحصين منشآتها النووية عبر استخدام الخرسانة وكميات كبيرة من التربة لدفن مواقع حساسة تحت الأرض، وفق صور أقمار صناعية وتحليل صادر عن معهد العلوم والأمن الدولي.
كما تؤثر عدة عوامل زمنية في توقيت أي هجوم محتمل، منها انتهاء دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، وبداية شهر رمضان، إذ يرى بعض حلفاء واشنطن أن تنفيذ ضربة خلال هذا الشهر قد يُفسَّر كإهانة للعالم الإسلامي ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي.
إضافة إلى ذلك، من المقرر أن يلقي ترامب خطابه السنوي عن حالة الاتحاد قريباً، وهو ما قد يستخدمه لتحديد رسائله السياسية قبيل الانتخابات النصفية. ومع ذلك، لا يوجد ما يؤكد أن هذه الاعتبارات ستمنع اتخاذ قرار الحرب.
وخلال الأسابيع الماضية، لم يسعَ الرئيس الأميركي بجدية إلى كسب تأييد الرأي العام أو الكونجرس لعملية عسكرية واسعة، رغم تلميحه إلى رغبته في تغيير النظام الإيراني ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي، دون أن يوضح بدقة أهداف أي هجوم محتمل.










