بلغت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران نقطة حرجة في منتصف فبراير 2026، حيث أسفرت المحادثات النووية غير المباشرة في جنيف عن “مبادئ توجيهية” عامة دون تحقيق اختراق حقيقي في القضايا الجوهرية، وعلى رأسها تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ ودور الوكلاء الإقليميين. ويعكس هذا الجمود اتساع فجوة المواقف بين الطرفين، رغم استمرار المسار الدبلوماسي شكلياً.
ويرفض المرشد الأعلى علي خامنئي مطالب واشنطن بوقف التخصيب بشكل كامل أو فرض قيود على الصواريخ، في حين يعبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إحباط متزايد، مع حديث مستشاريه عن احتمال مرتفع لشن ضربات عسكرية خلال أيام قليلة.
وفي المقابل، دفعت الولايات المتحدة بتعزيزات عسكرية ضخمة — بينها مجموعتا حاملات طائرات وأكثر من خمسين مقاتلة إضافية — ما يشير إلى استعداد لعمليات ممتدة قد تبدأ في أي وقت.
كما رفعت إسرائيل حالة التأهب القصوى تحسباً لمواجهة وشيكة، معتبرة أن أي صراع مع طهران يحمل طابعاً وجودياً. وتبدو الدبلوماسية في هذه المرحلة أقرب إلى إدارة الصدام لا منعه، خاصة مع تحصين المواقع النووية الإيرانية وتخطيط طهران لرد متعدد الجبهات.
وتتراوح السيناريوهات المحتملة بين ضربات محدودة لأغراض الردع، وحرب إقليمية واسعة، وتسوية بعيدة الاحتمال. ويحذر محللون من أن التصعيد قد يدفع أسعار النفط إلى ما فوق 200 دولار للبرميل ويقود الاقتصاد العالمي إلى ركود، مع تفعيل شبكات الحلفاء الإقليميين لطهران.
مؤشرات عسكرية تنذر بالتصعيد
حشدت الولايات المتحدة أكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط منذ حرب العراق، في إشارة واضحة إلى جاهزية هجومية. وتعمل مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن في بحر العرب على بعد نحو 700 كيلومتر من السواحل الإيرانية، وتضم ما بين 70 و75 طائرة مقاتلة متنوعة. كما تتجه مجموعة يو إس إس جيرالد فورد عبر جبل طارق للانضمام إليها، ما سيخلق تموضعاً مزدوجاً لحاملتي طائرات مدعومتين بعدة مدمرات.
وشملت التعزيزات الجوية أكثر من 50 مقاتلة حديثة وطائرات إنذار مبكر واستطلاع وناقلات وقود، إضافة إلى تعزيز القواعد الأميركية في الأردن وقطر والإمارات والسعودية. ويصل إجمالي القطع القتالية السطحية إلى 12 قطعة، بينها سبع مدمرات قادرة على تنفيذ ضربات صاروخية كثيفة.
في المقابل، أجرت روسيا وإيران مناورات بحرية مشتركة في بحر عُمان، مع اعتماد الحرس الثوري على تكتيكات “الزوارق السريعة” وإغلاق مضيق هرمز خلال تدريبات عسكرية. وهدد خامنئي بإغراق السفن الحربية الأميركية إذا اندلع القتال.
احتمال الضربات العسكرية
تشير تقارير إعلامية إلى أن القوات الأميركية باتت “جاهزة بالكامل” لتنفيذ ضربات قد تبدأ خلال أيام، مع خطط لحملة تستمر أسابيع وتستهدف المنشآت النووية والصاروخية ومراكز القيادة. ويرجّح مستشارون لترامب احتمالاً يصل إلى 90% لتنفيذ هجوم، في حين يتحدث مسؤولون عن عملية مشتركة أميركية-إسرائيلية واسعة.
وتحذر تقديرات من أن الرد الإيراني قد يؤدي إلى مقتل عشرات أو مئات الجنود الأميركيين، ما قد يفتح باب تصعيد متبادل يصعب احتواؤه.
الملف النووي الإيراني
ترفض طهران وقف التخصيب نهائياً، وتطرح بدلاً من ذلك تعليقاً مؤقتاً لعدة سنوات أو نقل الأنشطة إلى منشآت إقليمية، وهو ما لا يلبّي الخطوط الحمراء الأميركية. ويؤكد خامنئي أن امتلاك “صناعة نووية” حق سيادي غير قابل للتنازل، بينما لا يزال مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب غير واضح بعد الضربات السابقة.
وتطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش موسعة، في وقت عززت فيه إيران تحصين مواقع مثل بارشين بهياكل خرسانية ضخمة. كما تعثرت المفاوضات حول تخفيف العقوبات مقابل قيود شاملة على البرنامج النووي.
تقارير عن حرب وشيكة واستعدادات إسرائيلية
تحدثت وسائل إعلام غربية عن مناقشات داخل الإدارة الأميركية بشأن توقيت الضربات، مع استعداد عسكري كامل بحلول منتصف مارس على أقصى تقدير. كما تشير تقديرات غير رسمية إلى احتمال تنفيذ ضربات خلال 72 ساعة في حال فشل المسار التفاوضي.
ودعت دول الخليج إلى ضبط النفس خوفاً من زعزعة الاستقرار الإقليمي، بينما طالبت موسكو بخفض التصعيد بالتزامن مع المناورات المشتركة مع طهران.
في المقابل، تستعد إسرائيل لاحتمال اندلاع الحرب خلال أيام، باعتبار أن أي ضربة أميركية ستقابل برد إيراني مباشر أو عبر حلفائها. وقد وضعت قيادة الجبهة الداخلية خططاً للتعامل مع هجمات صاروخية واسعة، فيما يضغط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باتجاه اتفاق شامل — أو مواجهة حاسمة.
دبلوماسية تمهّد للمواجهة
تشير القراءة التحليلية إلى أن المفاوضات الحالية لا تهدف بقدر كبير إلى حل الأزمة بقدر ما تسعى إلى تشكيل شروط المواجهة المقبلة. فالولايات المتحدة تستخدم الحشد العسكري لزيادة الضغط، بينما تراهن إيران على إطالة الوقت لإعادة بناء قدراتها ورفع كلفة أي هجوم.
ويرى مراقبون أن طهران تستند أيضاً إلى دعم غير مباشر من محور يضم الصين وروسيا وكوريا الشمالية، ما يعزز قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط الغربية.
السيناريوهات المحتملة
1) ضربة محدودة للردع
تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل منشآت نووية وصاروخية لإضعاف القدرات الإيرانية دون إسقاط النظام. وقد ترد طهران بعمليات غير مباشرة عبر الطائرات المسيّرة أو الوكلاء الإقليميين مع تجنب حرب شاملة. هذا السيناريو يُعد الأكثر ترجيحاً على المدى القصير إذا انهارت المفاوضات سريعاً.
2) حرب إقليمية متعددة الجبهات
قد يتطور التصعيد إلى حملة عسكرية واسعة تستمر أسابيع، مع استهداف أصول الدولة الإيرانية وتفعيل حلفاء طهران في لبنان واليمن والعراق، وربما إغلاق مضيق هرمز. ويحمل هذا السيناريو مخاطر اقتصادية هائلة، بما في ذلك ارتفاع النفط إلى مستويات قياسية وتراجع النمو العالمي.
3) تسوية كبرى مقابل تنازلات نووية
يقضي هذا السيناريو بقيام إيران بتقليص مخزونها النووي وقبول رقابة دولية مقابل رفع العقوبات وإعادة دمجها اقتصادياً. إلا أن تمسك الطرفين بخطوطهما الحمراء يجعل هذا الخيار الأقل احتمالاً حالياً.
لحظة مفصلية
تشير المعطيات إلى أن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. فالضربة المحدودة تبدو الخيار الأقرب، لكنها تحمل في طياتها خطر الانزلاق إلى حرب أوسع إذا خرج الرد الإيراني عن السيطرة. أما التسوية السياسية فتظل ممكنة نظرياً لكنها تحتاج إلى تنازلات جوهرية غير متوفرة حتى الآن.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى مؤشرات مثل تحركات القوات العسكرية، ونشاط الحلفاء الإقليميين عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستُحتوى — أم ستتحول إلى مواجهة كبرى تهدد الاستقرار العالمي.










