21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: صراع الشعائر والحريات: الجدل الأزلي في رمضان

في القراءة القانونية الصرفة، يغيب النص الجنائي المباشر الذي يجرم "فعل الإفطار". إلا أن السلطات الأمنية غالباً ما تستند إلى المادة 240 من قانون العقوبات

بقلم: سارة جاسم
٢١ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
42 مشاهدة
رمضان

رمضان

مع حلول شهر رمضان من كل عام، يستعيد الشارع العراقي جدليته المعتادة التي تمزج بين القدسية الدينية والسطوة القانونية. وبينماتكتسي المدن بطابع إيماني خاص، تبرز إلى الواجهة قضية "اعتقال المفطرين"، لتفتح الباب على تساؤل حقوقي شائك: هل ملاحقة المفطر علناً إجراء لحماية الشعائر، أم هو قيد يطوق الحريات الشخصية التي كفلها الدستور؟

الغطاء القانوني وسلطة التأويل

في القراءة القانونية الصرفة، يغيب النص الجنائي المباشر الذي يجرم "فعل الإفطار". إلا أن السلطات الأمنية غالباً ما تستند إلى المادة 240 من قانون العقوبات، وهي مادة فضفاضة تعاقب على مخالفة الأوامر الصادرة من موظف عام.


وعليه، تتحول التعليمات الإدارية السنوية الصادرة عن وزارة الداخلية بخصوص إغلاق المطاعم ومنع الإفطار العلني إلى "مسطرة قانونية" تُشرعن الاعتقالات، تحت ذريعة حماية "النظام العام" ومنع "خدش الحياء"، مما يضع الفعل الشخصي في مواجهة مباشرة مع التفسير الإداري للدولة.

السوشيال ميديا: انقسام رقمي 

لم يقتصر هذا الجدل على أروقة مراكز الشرطة، بل تحول إلى "تريند" سنوي على منصات (X، فيسبوك، إنستغرام، وتيك توك)، حيث ينقسم العراقيون إلى جبهتين:

 * تيار "قدسية الشعائر": ينطلق أصحابه من مبدأ أن الإفطار العلني يمثل "استفزازاً" للمنظومة القيمية للمجتمع. وبرزت وسوم مثل #احترام_رمضان، تطالب الدولة بفرض الانضباط الاجتماعي بذريعة الحفاظ على هوية المجتمع ومحافظته.
 * تيار "الحرية والمدنية": يتبنى هذا التيار خطاباً نقدياً، متسائلاً عن مدى هشاشة اليقين الإيماني إذا كان يتاثر برؤية مفطر. كما يوجه الناشطون انتقادات لاذعة لما يصفونه بـ*"الانتقائية الأمنية"*؛ حيث تستنفر الأجهزة لملاحقة شخص شرب الماء، في حين تتعثر أمام ملاحقة الفساد أو حماية الحريات العامة، مستخدمين وسوماً مثل #لا_للإكراه و #الدولة_المدنية.

الأصوات المنسية

خلف ضجيج السوشيال ميديا، ثمة فئات صامتة تجد نفسها في دائرة الاتهام دون ذنب:
 وهم الأقليات الدينية: مسيحيون وصابئة وإيزيديون، يجدون أنفسهم مضطرين لممارسة حياتهم الطبيعية "خلسة"، معبرين عن مفارقة حزينة فهم يحترمون طقوس الأغلبية، لكنهم يواجهون تضييقاً على حقوقهم الأساسية في العلن.

 و الحالات الصحية والمستثنون: مرضى السكري، كبار السن، والمسافرون الذين يواجهون خطر التشهير أو الاعتقال بسبب سوء الفهم الأمني أو النظرة المجتمعية القاسية، رغم امتلاكهم "رخصة" دينية وطبية للإفطار.

التحدي الدستوري

يضع هذا السلوك السنوي الدولة أمام اختبار حقيقي للمادة 42 من الدستور العراقي، التي تضمن "حرية الفكر والضمير والمعتقد". إن تحويل الطقس الديني إلى واجب قانوني يُعاقب من لا يلتزم به، يثير تساؤلات حول هوية العراق، هل نحن أمام دولة قانون تحمي التنوع، أم دولة تتبنى رؤية أحادية وتفرضها بقوة القانون؟

إن احترام رمضان قيمة مجتمعية عميقة، لكن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى "سوط أمني" ليثبت وجوده. إن الإفراط في ملاحقة الحريات الفردية قد يؤدي إلى ردود فعل عكسية تنفر الأجيال الصاعدة من الممارسات الدينية. الحل يكمن في خلق توازن مدني يحترم مشاعر الصائم دون المساس بكرامة وحرية المفطر، بعيداً عن قضبان الزنزانات ولغة الإكراه.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير