إن التسلل المتكرر لمجموعات المستوطنين في وضح النهار إلى قطاع غزة، و عمل الجيش على إعادتهم "رسمياً" ، ليس مجرد ظاهرة أمنية عابرة يتعامل معها جيش الاحتلال ، بل هي استراتيجية سياسية-عسكرية متعمدة من قبل الأحزاب المتطرفة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى إعادة تعريف الوضع القانوني والجغرافي للقطاع، مستنسخة بذلك نموذج الضفة الغربية بوتيرة متسارعة. هذه الظاهرة تجسد تحولاً في منطق الاحتلال من "السيطرة على الحدود والحصار" إلى "التدجين الداخلي"، مستغلاً الفراغ السيادي الناتج عن الحرب و"تجميد" المشهد السياسي.
أولاً: الجذور المفاهيمية - من "المنع" إلى "التدجين"
يستند هذا التحليل إلى إطار "الجغرافيا السياسية للاحتلال"، حيث يتحول الاحتلال من مرحلة السيطرة العسكرية المباشرة إلى إعادة إنتاج الفضاء من خلال عدة أبعاد:
التطبيع النفسي: يتمثل في جعل الوجود الاستيطاني "أمراً واقعاً"، مما يفقد المجتمع الدولي القدرة على "الصدمة" أو الاستنكار الفعال.
التدرج القانوني: يتم تحويل "الحادث الفردي" إلى "ظاهرة"، ثم إلى "حاجة أمنية" تستدعي "تدابير دائمة"، مما يضفي شرعية زائفة على الممارسات غير القانونية كما يتلاعب اليوم بالمناطق الصفراء في التمدد.
التوظيف السياسي: يُستخدم "الفشل الأمني" المتعمد لخلق مبررات للتدخل المستمر، مما يضمن بقاء الاحتلال وتوسعه.
هذا المنطق، الذي استغرق عقوداً ليترسخ في الضفة الغربية، يُطبق الآن في غزة بتسارع متعمد، مستغلاً "الحالة الاستثنائية" لما بعد السابع من أكتوبر.
ثانياً: الآلية الأمنية-العسكرية - "التحميل" كاستراتيجية
1. الهيكل التنظيمي للتسلل
تُدار عملية التسلل هذه من خلال أدوار محددة لكل طرف، مما يخلق ديناميكية معقدة:
المستوطنون: يعملون كـ"فاعلين غير رسميين"، مما يساعد على خلق "أمر واقع" على الأرض دون أن تتحمل الدولة الإسرائيلية مسؤولية مباشرة عن أفعالهم.
الجيش الإسرائيلي: يقوم بـ"المنع الظاهري"، وهو ما يحافظ على "شرعية" الاحتلال كـ"قوة نظام" أمام الرأي العام الدولي.
الأجهزة الأمنية: تُكلف بـ"التقدير والتحذير"، وفي النهاية تُحمّل المسؤولية عن أي إخفاقات لاحقاً.
القيادة السياسية: تمارس "غض الطرف" أو "التنديد الرمزي"، أو التشجيع من دعاة الاستيطان سموتريتش وبن غفير مما يسمح لها بالاحتفاظ بـ"اليد العليا" دون تحمل تبعات حقيقية.
2. منطق "الإعادة"
إن إعادة المستوطنين بعد تسللهم ليست "نجاحاً أمنياً"، بل هي جزء لا يتجزأ من هذه اللعبة المعقدة. هذه الإعادة:
- تُظهر "سيطرة" الجيش، مما يساهم في تهدئة المجتمع الدولي مؤقتاً.
- تُبقي الباب مفتوحاً لـ"الفشل في المرة القادمة"، مما يبرر لاحقاً اتخاذ "تدابير أشد".
- تُسجل "حادثاً" دون أن يتطور إلى "تغيير" كبير، مما يُفادي الضغط الدولي الفوري.
3. التوظيف العسكري
يخدم التسلل أهدافاً عسكرية مباشرة ومتعددة:
استخباراتياً: يُستخدم لاختبار رد فعل المقاومة ورسم "خريطة الضعف" في المنطقة.
نفسياً: يهدف إلى كسر "التابو" النفسي الناتج عن الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005.
تكتيكياً: يُخلق "ذريعة" لعمليات "تمشيط" أو "توسيع المنطقة العازلة"، مما يمنح الجيش مبررات للتوغل.
ثالثاً: المقاربة الإقليمية - غزة والضفة: نموذج واحد
الاستنساخ المتعمد
تُظهر المقارنة بين الوضع في الضفة الغربية وغزة استنساخاً متعمداً لنموذج الاحتلال، ولكن بوتيرة مختلفة:
البُعد الزمني: في الضفة الغربية، كان التدرج على مدى عقود، بينما في غزة (منذ 2024) نرى تسارعاً متعمداً في تطبيق هذا النموذج.
الآلية: في الضفة، كان هناك استيطان رسمي وبؤر استيطانية، أما في غزة، فيبدأ الأمر بتسلل "فردي" يتجه نحو الشرعنة التدريجية.
القانون: في الضفة، تم تقسيم الأراضي إلى "مناطق C"، بينما في غزة يتم الحديث عن "منطقة عسكرية مغلقة".
الإدارة: في الضفة، توجد سلطة فلسطينية مهمشة كواجهة، بينما في غزة، يسعى الاحتلال لخلق "فراغ" يؤدي إلى إدارة دولية.
الهدف: في الضفة، كان الهدف هو الضم أو الأبرتهايد، بينما في غزة، الهدف هو "التجميد" بلا سيادة.
الفرق الاستراتيجي
شهدت الضفة الغربية احتلالاً ممتداً مع وجود "سلطة" محلية كـ"واجهة"، بينما تسعى إسرائيل في غزة إلى تحقيق "احتلال بلا مسؤولية". هذا يعني سيطرة أمنية كاملة مع "إدارة دولية" تتحمل أعباء السكان، مما يرفع العبء عن كاهل الاحتلال.
رابعاً: البُعد الداخلي الإسرائيلي - "اللعبة" النتنياهوية
1. توظيف التناقضات
يدير نتنياهو ظاهرة التسلل بمنطق مزدوج، مستغلاً التناقضات الداخلية:
لليمين (سموتريتش): يرسل رسالة بأن "غزة اليهودية" قابلة للتحقق، ويُقابل صمتهم برمزية الأفعال.
للوسط: يؤكد أن "الجيش يحمي"، مما يخلق استقراراً وهمياً.
للمعارضة: يفرض واقعاً لا بديل استراتيجي له، مما يؤدي إلى صمت محبط من جانبهم.
2. "التحميل" المسبق
تُحوَّل المؤسسة الأمنية إلى "كبش محرقة" في هذه اللعبة السياسية:
النجاح التكتيكي: يُنسب إلى "رؤية نتنياهو".
الفشل الاستراتيجي: يُعتبر "إخفاقاً أمنياً" تتحمل مسؤوليته المؤسسة.
التردد: يُفسر على أنه "تقصير في الجهوزية".
هذا الوضع يُفضي إلى "انقياد محبط"، حيث تدرك الأجهزة الأمنية اللعبة لكنها عاجزة عن "الرفض" خوفاً من "التسميم" السياسي.
3. الهدف النهائي
يبحث نتنياهو عن "إنجاز تاريخي" يُنقذه من المحاكمات. هذا الإنجاز ليس:
- "الضم" (الذي يمثل كابوساً ديموغرافياً).
- "الانسحاب" (الذي يعتبر انتحاراً سياسياً).
بل هو "التجميد": سيطرة أمنية كاملة، مع "إدارة دولية"، و"تهويد" تدريجي للمنطقة.
خامساً: الردع المُفترض - قدرة المقاومة على "المنع"
1. الإشكالية
تواجه المقاومة "لعبة مزدوجة" معقدة:
منع التسلل: يتطلب "وجوداً مكشوفاً"، مما قد يُبرر عمليات "التمشيط" الإسرائيلية.
السماح به: يُفضي إلى "أمر واقع"، مما يؤدي إلى تآكل السيادة الفلسطينية.
2. الاستراتيجية المُحتملة
الرد الفعال ليس عسكرياً فحسب، بل يجب أن يكون سياسياً ونفسياً:
توثيق "الدولة العميقة": إظهار التنسيق الواضح بين "التسلل" و"الجيش" الإسرائيلي.
الربط الإقليمي: التأكيد على أن غزة ليست "استثناءً"، بل هي استنساخ لنموذج الضفة الغربية.
الضغط الدبلوماسي: إيضاح أن "تجميد" الوضع ليس "حلاً"، بل هو احتلال متجدد.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية
تتعدد السيناريوهات المحتملة للمستقبل، وتتوقف على مجموعة من المحفزات:
التصعيد إلى "بؤر استيطانية": هذا السيناريو له احتمال مرتفع، خاصة مع استقرار ظاهرة "التسلل" وضعف الرد الدولي.
"تجميد" رسمي: هذا السيناريو له احتمال مرتفع جداً، مدفوعاً بالضغط الأمريكي والاستنزاف الإسرائيلي.
مواجهة عسكرية واسعة: هذا السيناريو له احتمال متوسط، ويعتمد على رد فعل المقاومة المتصاعد.
"صفقة" تاريخية: هذا السيناريو له احتمال منخفض حالياً، ويتطلب تغيراً إقليمياً كبيراً (مثل تطورات في إيران أو سوريا).
الخلاصة
إن التسلل المتكرر إلى غزة هو "حرب أخرى"، لا تُخاض بالصواريخ بل بالجغرافيا. إنها محاولة لقتل فكرة السيادة عبر استنساخ نموذج الضفة الغربية، وتجسيد لهشاشة "مجلس السلام" كغطاء للاحتلال المتجدد، وتوظيف للتناقضات الداخلية لصالح "التجميد" الدائم.
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، رغم "طوعها" للقرار السياسي، تتحمل عبئاً استراتيجياً إذ يوظف الجيش إلى خدمة أجندات سياسية وليس امن الدولة حيث تحول إلى أداة في مسرحية "الإنجاز" النتنياهوية.
السؤال المفتوح الذي يطرح نفسه هو: هل "التجميد" هو نهاية المطاف، أم أن "المنطق التصعيدي" سيُفضي إلى "ضم" فعلي يُعيد اختراع "غزة اليهودية" على أنقاض "انسحاب شارون"؟
والسؤال الآخر: ماذا سيكون رد المقاومة؟










