يعترف وزير الزراعة «الإسرائيلي» وعضو الكابينت الحالي ورئيس الشاباك السابق، آفي ديختر، بما أحدثته 7 أكتوبر في الوعي الأمني الاسرائيلي ورؤية اسرائيل الأمنية. يمكننا تفكيك مضامين هذه الاستراتيجية والسياسية التي قدمها في وثيقته على النحو التالي:
أولاً: الإطار الاستراتيجي المرجعي (النموذج الأمريكي)
يستهل ديختر حديثه بالاستناد إلى النموذج الأمريكي في إدارة الأزمات (منذ عام 2003 في العراق)، مُبرزاً سمة "حشد القوات" كعلامة فارقة للقوى العظمى. المغزى التكتيكي هنا هو الانتقال من منطق "الضربة الجراحية" أو الرد المحدود، إلى منطق "الحرب الشاملة" الحسم التي تتطلب حشداً نوعياً وكمياً لضمان تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، مما يمهد لتبرير التصعيد العسكري والعمليات البرية الواسعة.
ثانياً: هندسة الأهداف الإسرائيلية في غزة
يحدد النص ثلاثة أهداف أعلنتها الحكومة الإسرائيلية (الكابينت) في 7 أكتوبر، ويقوم بتشخيص واقعها الحالي بناءً على الرواية الإسرائيلية:
1. إعادة الأسرى: يُعتبر هذا الهدف مُنجزاً جزئياً من وجهة نظر المتحدث، مع الإقرار بأن العملية لم تكتمل وأن هناك خسائر بشرية ("ليس جميعهم أحياء").
2. تدمير البنى التحتية العسكرية: يُقر بتحقيق تقدم كبير في تدمير قدرات حماس والجهاد الإسلامي، مع الاعتراف بأن التدمير لم يكن بنسبة 100%، وهو اعتراف ضمني باستمرار قدرات المقاومة.
3. إسقاط السلطة السياسية لحماس: يُصنف هذا الهدف على أنه "لم يتحقق بعد"، وهو يمثل العقدة المركزية في الخطاب، حيث يربط ديختر بين بقاء حماس ككيان حاكم في غزة واستمرار التهديد لإسرائيل، رافضاً أي تسوية تسمح بوجود عسكري لحماس (حتى لو كان سلاحاً خفيفاً).
ثالثاً: الديناميكية الإقليمية (غزة - لبنان)
يربط النص بين مسار غزة ومسار لبنان، مشيراً إلى أن حماس تراقب ملف نزع سلاح حزب الله كمؤشر لمستقبلها. ويخلص ديختر إلى نتيجة متشائمة (من المنظار الإسرائيلي) مفادها أن احتمال نزع سلاح حزب الله "ضئيل جداً"، وبالتالي لا يوجد مبرر للتفاؤل بأن تقدم حماس على ذلك طواعية. هذا الاستنتاج يُستخدم لتبرير فرضية أن "لا خيار" أمام إسرائيل سوى المواجهة العسكرية الحاسمة لفرض نزع السلاح بالقوة وتجميد الاعمار.
رابعاً: القراءة النقدية للمضامين
- معضلة "اليوم التالي": يسلط النص الضوء على الفجوة بين القدرة العسكرية على التدمير والقدرة السياسية على بناء البديل. فبينما يتم الحديث عن إنجازات في التدمير، يبقى هدف "إسقاط القدرة السلطوية" معلقاً، مما يعكس إشكالية الفراغ السياسي والأمني.
- توظيف النموذج الأمريكي: استخدام تشبيه الاستراتيجية الأمريكية قد يحمل في طياته تبريراً لطول أمد الحرب وتكاليفها، حيث أن النموذج الأمريكي في العراق وأفغانستان استغرق سنوات وطال أمده، وهو ما قد يتناقض مع الرغبات المحلية في إنهاء سريع للحرب.
- الربط الاستراتيجي الإقليمي: إدراك أن مصير سلاح المقاومة في غزة مرتبط بمعادلات إقليمية أوسع (لبنان/إيران) يشير إلى تعقيد المشهد وصعوبة معالجة الملف الفلسطيني بمعزل عن محيطه الإقليمي وتعزيز فرضية ضرب إيران من قبل ترامب.
الخلاصة
يمثل هذا الطرح تجسيداً للرؤية الأمنية الإسرائيلية التي تُعلي من الخيار العسكري كأداة وحيدة لحل إشكالية حكم حماس في غزة، وتُقلل من احتمالات الحلول السياسية أو التسويات التدريجية، في وقت تشير فيه تحليلات أخرى إلى أن الاستدامة الاستراتيجية لأي حل تتطلب معالجة الجذور السياسية والإنسانية للصراع، لا الاكتفاء بالبعد الأمني والعسكري.
وواضح أن حماس اليوم تملك قدرة التكيف مع المتغيرات حتى يعتريها الخلل والضعف للعودة بقوة من جديد.










