كشفت قيادات بارزة في الحزب الديمقراطي الأمريكي أن دعم إدارة جو بايدن للحرب الإسرائيلية على غزة كان عاملاً رئيسياً في خسارة كامالا هاريس للانتخابات الرئاسية لعام 2024، وفقاً لما نقله موقع "أكسيوس" الأمريكي. وجاء هذا الاستنتاج ضمن ما يُعرف بـ"التشريح الانتخابي" السري الذي أعده الحزب لتحديد أسباب الهزيمة أمام الرئيس الحالي دونالد ترامب. ويعكس هذا التقييم اعترافاً داخلياً نادراً بأن الانحياز الأمريكي لإسرائيل تحول من رصيد سياسي إلى عبء انتخابي ثقيل.
وبحسب التقرير، فإن قيادة الحزب قررت إبقاء نتائج هذا التحقيق طي الكتمان وعدم نشرها للرأي العام، في خطوة تعكس حساسية النتائج وخطورة تداعياتها السياسية. ويشير هذا القرار إلى حجم الانقسام الداخلي الذي قد ينفجر داخل الحزب إذا تم تأكيد أن دعم العدوان الإسرائيلي على غزة ساهم بشكل مباشر في خسارة الانتخابات. كما يكشف عن إدراك القيادات الديمقراطية أن القضية الفلسطينية أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل المزاج الانتخابي الأمريكي.
انقسام داخلي عميق
أوضح التقرير أن الحزب الديمقراطي يعاني انقساماً متزايداً حول الموقف من إسرائيل، خاصة بين التيار التقدمي والتيار التقليدي. فبينما أصبح الجناح التقدمي أكثر انتقاداً للجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في غزة، استمر التيار التقليدي في تبني سياسة الدعم شبه المطلق لإسرائيل. وقد أدى هذا التناقض إلى خلق أزمة ثقة داخل القاعدة الشعبية للحزب، خاصة بين الشباب.
ويعكس هذا الانقسام تحولاً بنيوياً في النظرة الأمريكية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث لم يعد الدعم لإسرائيل محل إجماع كما كان في العقود السابقة. ومع تصاعد مشاهد المجازر منذ أكتوبر 2023، بدأ قطاع واسع من الناخبين الديمقراطيين يشكك في أخلاقية الموقف الأمريكي. وقد أدى ذلك إلى تآكل التأييد الشعبي للحزب، خاصة في الأوساط التي كانت تمثل تاريخياً أحد أهم مصادر قوته الانتخابية.
محاولة توازن فاشلة
خلال حملتها الانتخابية القصيرة، حاولت كامالا هاريس تحقيق توازن بين دعم إسرائيل والتعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين في غزة. فقد أعلنت تأييدها لإسرائيل، وفي الوقت نفسه دعت إلى وقف إطلاق النار وأبدت تعاطفاً مع المدنيين الفلسطينيين الذين يتعرضون للقصف. إلا أن هذا الموقف المزدوج فشل في إقناع أي من الطرفين.
فمن جهة، لم يرضِ هذا الخطاب التيار التقدمي الذي رأى فيه استمراراً للانحياز الأمريكي التقليدي لإسرائيل. ومن جهة أخرى، لم يكن كافياً لإرضاء التيار المؤيد لإسرائيل بشكل مطلق. ونتيجة لذلك، فقدت هاريس دعماً مهماً دون أن تكسب بديلاً عنه، وهو ما انعكس في نتائج الانتخابات.
ضغط فلسطيني مباشر
كجزء من إعداد التقرير، عقد مسؤولو الحزب الديمقراطي اجتماعاً مغلقاً مع نشطاء مؤيدين لفلسطين، بينهم أعضاء من مشروع سياسة الشرق الأوسط الأمريكي (IMEU)، وفقاً لما أورده "أكسيوس". وخلال الاجتماع، أبلغ النشطاء قيادة الحزب أن دعم إدارة بايدن-هاريس لإسرائيل أدى إلى فقدان الحزب تأييد أعداد كبيرة من الشباب والناخبين التقدميين. وأكدوا أن هذا الدعم ساهم بشكل مباشر في خسارة الانتخابات.
وقال حميد بنداعس، المتحدث باسم المنظمة، إن مسؤولي الحزب اعترفوا خلال الاجتماع بأن بياناتهم أظهرت أن سياسة دعم إسرائيل كانت "سلبية صافية" من حيث التأثير الانتخابي. كما أكد مسؤولون آخرون في المنظمة أن الحزب توصل إلى نفس النتيجة. ويعكس هذا الاعتراف تحولاً خطيراً في تقييم المؤسسة السياسية الأمريكية لعلاقة واشنطن بالحرب على غزة.
محاولة إخفاء الفشل
اتهم مشروع سياسة الشرق الأوسط الأمريكي قيادة الحزب الديمقراطي بإخفاء التقرير عمداً بسبب نتائجه المتعلقة بإسرائيل. ويرى نشطاء أن نشر التقرير كان سيؤكد أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد سياسة رابحة سياسياً. وهو ما قد يؤدي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الحزب وإسرائيل مستقبلاً.
في المقابل، نفت المتحدثة باسم الحزب الديمقراطي كيندال ويتمر أن يكون سبب إخفاء التقرير مرتبطاً بإسرائيل. وادعت أن الهدف من عدم نشره هو تجنب تشتيت الانتباه عن الاستعداد للانتخابات القادمة. إلا أن هذا التبرير لم يقنع المنتقدين الذين يرون أن الحزب يحاول تجنب مواجهة الحقيقة السياسية.
اعتراف متأخر بالخطأ
في تعليق لاحق، أقرت كامالا هاريس نفسها بأن إدارتها "كان يجب أن تفعل المزيد" فيما يتعلق بالحرب على غزة. وأضافت أنها كانت ترى ضرورة توجيه انتقادات علنية للطريقة التي أدار بها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الحرب. ويشكل هذا التصريح اعترافاً ضمنياً بأن الموقف الأمريكي ساهم في تفاقم الأزمة السياسية.
وكشفت هاريس في مذكراتها أن تراجع شعبية جو بايدن، بسبب ما وصفته بـ"الشيك المفتوح" الذي قدمه لإسرائيل، كان عاملاً رئيسياً في خسارتها الانتخابات. وأوضحت أنها حاولت إقناعه بإظهار مزيد من التعاطف مع المدنيين الفلسطينيين. إلا أنها امتنعت خلال حملتها الانتخابية عن معارضته علناً، وهو ما كلفها ثمناً سياسياً باهظاً.
غزة تغير السياسة
تكشف هذه التطورات أن الحرب على غزة لم تكن مجرد حدث خارجي بالنسبة للسياسة الأمريكية، بل تحولت إلى عامل داخلي مؤثر في تحديد نتائج الانتخابات. فقد ساهمت صور المجازر والدمار في غزة في تغيير وعي قطاع واسع من الناخبين الأمريكيين. وأصبح الدعم الأمريكي لإسرائيل عبئاً سياسياً بدلاً من كونه ورقة قوة.
ويشير هذا التحول إلى أن القضية الفلسطينية بدأت تفرض نفسها كعامل استراتيجي داخل السياسة الأمريكية نفسها. ومع استمرار الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لإسرائيل، قد تتكرر هذه التداعيات في الانتخابات القادمة. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر داخل المؤسسة السياسية الأمريكية بشأن العلاقة مع إسرائيل.










