يتزاحمُ السّياسيّون وزُعماءُ الأحزاب على موائدِ الإفطارِ الرَّمضانيّة، يتباهَون بصُوَرهم، ويتنافَسون في عددِ الولائم، ويتناوَبون على المنابر، يُحدّثون النّاس عن الصَّوم، والزُّهد، والتَّقوى، وكأنّهم أوصياءُ على الدِّين، وحُرّاسُ الفضيلة.
يتكلّمون عن الله، وهم أبعدُ ما يكونون عن عَدلِه.
يتكلّمون عن الرَّحمة، وهم أوّلُ من صادرها من قلوبِ النّاس.
يتكلّمون عن الصَّبر، وهم من دفعوا الشَّعبَ إلى اليأسِ والانكسار.
وعلى بُعد أمتارٍ قليلةٍ من موائدِهم المُترَفة، حيثُ تُصفُّ الأطباقُ الفاخرة، وتُسكب العصائر، وتُقدَّم أصنافُ ما لذَّ وطاب، ويملأون كروشهم بما لذَّ وطاب، هناك أمٌّ تُقنِع أبناءَها بأنّ النَّومَ هو العَشاء، وأبٌ يبيعُ كرامتَه ليؤمّن لقمة، ومريضٌ يموتُ بصمتٍ لأنّ الدَّواء صار ترفًا.
هناك، أمام هذا المشهدِ الفاضح، لا يسعُنا إلّا أن نقول:
والله لو صاموا الدَّهر، لن يكفيهم لمغفرةِ خطاياهم، ما داموا مُصرّين على الظُّلم، وعلى نهبِ النّاس، وعلى قتلِ الأمل في قلوبِ الأجيال.
هؤلاء لا يرَونهم.
ولا يريدون أن يروهم.
لأنّهم مشغولون بعدّ الكراسي، وتقاسمِ الحِصص، وتثبيتِ النُّفوذ، وإدامةِ السُّلطة.
هم سببُ الانهيار.
هم سببُ سقوطِ اللّيرة.
هم سببُ نهبِ أموالِ المودعين.
هم سببُ هجرةِ شبابِنا.
هم سببُ خرابِ الدَّولة.
هم من خانوا وَطنَهم، وباعوا ضمائرَهم، وخذلوا شَعبَهم… فأيُّ صيامٍ يتكلّمون عنه؟
ومع ذلك، يقفون بوقاحةٍ، يتحدّثون عن الأخلاق!
أيُّ أخلاقٍ بقيت؟
وأيُّ تديُّنٍ هذا الذي يُمارَس فوق موائدِ الفساد؟
وهنا يفرضُ السّؤالُ نفسَه بقوّة:
بأيّ عينٍ سيواجهون الله؟
بأيّ وجهٍ سيقفون بين يديه، وقد جاعَ الأطفالُ بسببِ قراراتِهم، وانهارتِ البيوتُ بسببِ فسادِهم، وضاعتِ الأعمارُ بسببِ طمعِهم؟
آكلو أموالِ اليتامى، هل يغفرُ لهم اللهُ ذنوبَهم بصيامِهم؟
هل تمحو الموائدُ العامرة، والخُطبُ المنمّقة، واللّحى المصطنعة، جرائمَ السَّرقةِ والخراب؟
كيف سيبرّرون دمعةَ أمّ، ووجعَ أب، وصرخةَ شابٍّ هاجر مكسورًا؟
كيف سيشرحون سرقةَ أموالِ النّاس، وتدميرَ أحلامِهم، وبيعَ وطنِهم قطعةً قطعة؟
أيُّ صلاةٍ هذه التي تُرفَع بأيدٍ ملطّخةٍ بالظُّلم؟
وأيُّ دعاءٍ هذا الذي يخرجُ من أفواهٍ اعتادت الكذب؟
الصَّوم، في جوهرِه، ليس امتناعًا عن الطَّعام، بل امتناعٌ عن الظُّلم، وعن السَّرقة، وعن بيعِ الوطن في المزاداتِ السّياسيّة.
لكنّهم صاموا عن الضَّمير، وأفطروا على حقوقِ النّاس.
يُصلّون أمام الكاميرات، ويُسبّحون بعدساتِ الإعلام، ويتصدّقون من أموالٍ مسروقة، ثمّ ينامون مطمئنّين فوق ركامِ بلدٍ مُنهك.
هؤلاء لا يصومون لله…
يصومون للإعلام.
لا يتعبّدون للحقّ…
يتعبّدون للكراسي.
هم ممثّلون فاشلون في مسرحيّةٍ قذرة، عنوانُها: «استغلالُ الدّين لتبريرِ الفشل».
وفي وطنٍ تُهانُ فيه الكرامةُ يوميًّا، يصبح الصّمتُ جريمة، والمجاملةُ خيانة، والحيادُ تواطؤًا.
نقولها لهم بوضوح: لن تُنقذَكم موائدُ الإفطار، ولا الصُّوَر، ولا الخُطب، ولا الشَّعارات.
لن تُخفي جرائمَكم آياتٌ تُتلى على منصّاتِ الكذب.
فالتّاريخُ لا ينسى.
والشّعوبُ لا تغفر.
والأوطانُ حين تنهض… تُحاسِب.
أيّها السّياسيّون:
كفّوا عن التمثيل.
كفّوا عن تدنيسِ رمضان.
كفّوا عن أكلِ الوطنِ باسمِ الله.










