تعيش قرية جالود، الواقعة إلى الجنوب الشرقي من مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة، فصلاً جديداً من فصول المعاناة اليومية والصمود البطولي في وجه اعتداءات المستوطنين الممنهجة التي تستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم.
ففي مساء اليوم الأربعاء، شن عدد من المستوطنين هجوماً عنيفاً استهدف منطقة "الوادي" الحيوية في القرية، حيث قاموا بالاعتداء على المواطنين العزل، مما فجر موجة من الغضب الشعبي دفعت عشرات الشبان إلى التصدي لهذا الاقتحام بصدور عارية، لتندلع مواجهات عنيفة في المكان.
إن هذا الهجوم ليس مجرد حادث عارض، بل هو جزء من سياق أمني متوتر تعيشه المنطقة، حيث باتت جالود تمثل نموذجاً حياً للمناطق الفلسطينية التي تواجه "إرهاباً استيطانياً" منظماً يحظى بحماية جيش الاحتلال، ويهدف إلى تضييق الخناق على السكان ودفعهم نحو الرحيل القسري لصالح التوسع الاستيطاني الذي لا يتوقف.
جغرافيا الاستيطان.. كيف تخنق البؤر الاستيطانية قرية جالود؟
تكمن خطورة الوضع في قرية جالود في موقعها الجغرافي المعقد، حيث تحيط بها عدة بؤر استيطانية جثمت على أراضي المواطنين وحولتها إلى ساحات انطلاق للاعتداءات المتكررة.
إن قرب هذه البؤر من منازل الفلسطينيين يجعل من منطقة "الوادي" وغيرها من الأراضي الزراعية أهدافاً سهلة للمستوطنين الذين يمارسون سياسة "الأرض المحروقة" عبر رشق الحجارة، وإحراق الممتلكات والسيارات، ومحاولات الاستيلاء على الحقول الزراعية التي تمثل شريان الحياة الاقتصادي للقرية.
هذا التماس المباشر مع المستوطنين، الذين يزدادون تطرفاً يوماً بعد يوم، يضع حياة المواطنين في خطر دائم، ويحول ممارسة الأعمال اليومية البسيطة مثل فلاحة الأرض إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، وسط صمت دولي وتواطؤ أمني من قبل سلطات الاحتلال التي تكتفي بمراقبة المشهد أو التدخل لقمع الفلسطينيين المدافعين عن حقوقهم.
المواجهات الميدانية.. إرادة الشبان في مواجهة آلة القمع
لم تكن مواجهات مساء الأربعاء في منطقة "الوادي" إلا دليلاً جديداً على أن إرادة البقاء لدى الشعب الفلسطيني أقوى من محاولات الترهيب، حيث سارع شبان القرية فور اقتحام المستوطنين لتشكيل لجان دفاع شعبية عفوية للتصدي للمعتدين.
إن المواجهات التي اندلعت في جالود تعكس حالة الاحتقان الشديدة في كافة أرجاء الضفة الغربية، حيث يشعر المواطن الفلسطيني بضرورة الاعتماد على الذات في ظل غياب الحماية الدولية.
وتستخدم مجموعات المستوطنين في هذه الهجمات أسلحة متنوعة تبدأ بالحجارة ولا تنتهي بالتهديد بالسلاح المباشر، ما يجعل المواجهات تتحول سريعاً إلى صدامات دامية تترك خلفها إصابات وأضراراً مادية جسيمة، ومع ذلك يصر أهالي جالود على الرباط في أراضيهم، مؤكدين أن سياسة ترهيب المستوطنين لن تنجح في تغيير هوية الأرض أو ثني السكان عن الدفاع عن إرثهم التاريخي والوطني.
تصاعد الإرهاب الاستيطاني.. تحذيرات من عواقب كارثية
يأتي الهجوم الأخير على جالود في سياق موجة تصاعدية من اعتداءات المستوطنين التي اجتاحت عدة مناطق في الضفة الغربية خلال عام 2026، وسط تحذيرات مؤسسات حقوقية ومحلية من خطورة استمرار هذا الانفلات.
إن استهداف الممتلكات والمزروعات والمنازل السكنية يعبر عن سياسة "عقاب جماعي" يمارسها المستوطنون بحماية رسمية، وهو ما يهدد بانهيار كامل للأمن الشخصي للمواطنين الفلسطينيين.
إن التحذيرات من "عواقب كارثية" لم تعد مجرد شعارات، بل هي واقع يلوح في الأفق إذا ما استمر المستوطنون في تجاوز كافة الخطوط الحمراء، حيث أن هذه الاعتداءات تهدف بالأساس إلى تقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية عبر تمزيق الأوصال الجغرافية للقرى والبلدات في ريف نابلس ورام الله والقدس، وتحويلها إلى كانتونات معزولة محاصرة بالمستوطنات من كل جانب.
تبقى جالود شامخة رغم كل محاولات التدنيس والاعتداء، وتظل منطقة "الوادي" شاهدة على صراع الإرادات بين صاحب الحق والمغتصب.
إن ما جرى مساء الأربعاء هو تذكير للعالم أجمع بأن القضية الفلسطينية هي قضية وجود يومي على الأرض، وأن المستوطنين مهما بلغ تغولهم، لن يستطيعوا كسر شوكة أهالي قرى نابلس الصامدة وإن المطلوب اليوم هو تحرك دولي عاجل يتجاوز لغة الإدانة الخجولة، لفرض عقوبات حقيقية على البؤر الاستيطانية وقيادات المستوطنين الذين يغذون هذا العنف وإن صمود أهالي جالود هو جزء من الملحمة الفلسطينية الكبرى، وسيبقى الدفاع عن الأرض في وجه رشق الحجارة وحرائق المستوطنين هو العنوان الأبرز لمرحلة لا تقبل القسمة على اثنين إما الأرض لأصحابها، أو استمرار المقاومة الشعبية حتى نيل الحرية والعدالة.










