شهد المسجد الأقصى صباح الخميس تصعيداً جديداً في سياسة استباحة المقدسات، بعدما اقتحمت مجموعات من المستوطنين باحاته في تاسع أيام شهر رمضان المبارك تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، في مشهد يعكس نهجاً ممنهجاً لفرض واقع ديني وسياسي جديد في القدس.
اقتحامات بطقوس علنية وتغيير قواعد الاشتباك الديني
اقتحم عشرات المستوطنين باحات الأقصى عبر باب المغاربة، وأدّوا طقوساً وصلوات تلمودية علنية وجماعية أمام مسجد قبة الصخرة، في خطوة تُعد تصعيداً نوعياً يتجاوز مجرد الزيارة إلى محاولة فرض شعائر يهودية داخل الحرم الشريف.
ويرى محللون أن السماح بهذه الطقوس العلنية يعكس انتقالاً من سياسة “التواجد الصامت” إلى سياسة “الفرض الديني”، بما ينسجم مع أطروحات اليمين الصهيوني الداعية إلى تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً، تمهيداً لفرض السيادة الكاملة عليه.

إبعادات واسعة لتفريغ الأقصى من حراسه
بالتوازي مع الاقتحامات، شنّ الاحتلال حملة إبعادات واسعة عن الأقصى طالت عشرات المقدسيين والمرابطين والصحفيين، في محاولة واضحة لتفريغ المسجد من رواده خلال شهر رمضان، وهو التوقيت الأكثر حساسية دينياً وسياسياً.
وتشير هذه الإجراءات إلى اعتماد سياسة “تفريغ المكان ثم السيطرة عليه”، حيث يُمنع السكان الأصليون من الوصول بينما يُسمح للمستوطنين بالدخول بحرية، ما يخلق واقعاً ديموغرافياً وأمنياً مصطنعاً داخل الحرم.
تمديد ساعات الاقتحام… تكريس للسيطرة الزمنية
مددت سلطات الاحتلال فترة الاقتحامات الصباحية خلال رمضان ساعة كاملة لتصبح من 6:30 حتى 11:30 بدلاً من 7 حتى 11 في الأيام العادية، وهو إجراء يُفسَّر بأنه محاولة لزيادة زمن الحضور الاستيطاني داخل الأقصى على حساب المصلين.
ويرى خبراء أن السيطرة على الزمن داخل الموقع الديني تمثل خطوة أساسية في مشروع التقسيم، إذ تتحول الساعات المخصصة لليهود تدريجياً إلى أمر واقع يصعب تغييره لاحقاً.
دعوات الرباط… مواجهة شعبية لمحاولات التهويد
في المقابل، تتواصل الدعوات الفلسطينية والمقدسية إلى شد الرحال إلى الأقصى وتكثيف الرباط خلال رمضان، باعتباره وسيلة سلمية لحماية المسجد وإفشال مخططات تفريغه وعزله عن محيطه الفلسطيني.
وتؤكد هذه الدعوات على ضرورة التواجد الدائم في باحات المسجد، ليس فقط خلال الصلوات، بل عبر الاعتكاف والإفطارات الجماعية، بهدف تثبيت الحضور الإسلامي والعربي داخل الحرم ومنع فرض واقع جديد بالقوة.
كما شددت على أن الرباط في الأقصى يمثل واجباً دينياً ووطنياً في ظل الحصار المفروض على المدينة والتضييق المستمر عند بوابات المسجد ومنع أعداد كبيرة من المصلين من الوصول إليه.
الحشد الشعبي كخط دفاع أخير
وفي هذا السياق، دعت حركة حماس إلى مواصلة الحشد الشعبي وتكثيف الرباط في الأقصى، مستثمرة رمزية شهر رمضان لحماية المسجد من مخططات الاحتلال وأطماع المستوطنين.
كما دعت الفلسطينيين في القدس والداخل المحتل إلى إفشال مشاريع التهويد عبر الحضور المكثف داخل الحرم، والتأكيد على الحق الديني والتاريخي الثابت في المسجد الأقصى.
مشروع تهويد طويل الأمد
تعكس هذه التطورات استراتيجية صهيونية بعيدة المدى تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: تكثيف الاقتحامات، تقليص الوجود الفلسطيني، وفرض طقوس يهودية علنية، وصولاً إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأقصى.
وفي ظل استمرار هذه السياسات، يبقى المسجد الأقصى بؤرة توتر دائمة، ليس فقط دينياً بل سياسياً أيضاً، إذ يمثل أي تغيير في وضعه شرارة محتملة لانفجار واسع يتجاوز حدود القدس إلى مجمل المنطقة.
وبذلك، لا تبدو اقتحامات رمضان حدثاً عابراً، بل حلقة جديدة في صراع طويل على هوية المكان وسيادته، حيث يتقاطع البعد الديني مع الحسابات الأمنية والسياسية في واحدة من أكثر القضايا حساسية في الشرق الأوسط.










