4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: اغتيالُ نائبٍ  وتفريغُ 53 بلدة... هل تُعاد صياغةُ لبنان بالنار؟

حين يُغتال محمد رعد ومعه قياديّون آخرون في حزب الله، في لحظةٍ تتزامن مع قصف الضاحية واستهداف البقاع وتفريغ 53 بلدةً في الجنوب من سكّانها بالكامل، فإنّ الحدث لا يُختزل في عمليّةٍ أمنيّةٍ مركّزة، بل يتحوّل إلى مفصلٍ سياسيّ وأمنيّ يعيد تعريف طبيعة الاشتباك برمّته.

بقلم: د. ليون سيوفي
٢ مارس ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
16 مشاهدة
لبنان

لبنان

حين يُغتال محمد رعد ومعه قياديّون آخرون في حزب الله، في لحظةٍ تتزامن مع قصف الضاحية واستهداف البقاع وتفريغ 53 بلدةً في الجنوب من سكّانها بالكامل، فإنّ الحدث لا يُختزل في عمليّةٍ أمنيّةٍ مركّزة، بل يتحوّل إلى مفصلٍ سياسيّ وأمنيّ يعيد تعريف طبيعة الاشتباك برمّته.

اغتيالُ نائبٍ في المجلس النيابي و يحمل صفةً دستوريّة يتجاوز إطار الصراع العسكري، لأنّه يطال التمثيل السياسي داخل البرلمان اللبناني. هنا لا نتحدّث عن استهداف موقعٍ ميداني، بل عن مساسٍ مباشرٍ بصورة الدولة وبمفهوم الحصانة السياسيّة. الرسالة لم تَعُد عسكريةً بحتة، بل سياسيةً صريحة: توسيع دائرة المواجهة لتشمل المستوى العلني للقرار والتمثيل.

في المقابل، استهداف قياديّين آخرين يهدف إلى إرباك الهيكل التنظيمي وإحداث صدمةٍ في مركز القرار. غير أنّ تجارب مشابهة أظهرت أنّ هذا النوع من العمليات قد يدفع إلى إعادة ترتيب الصفوف بسرعة أكبر بدل تفكيكها، ما يجعل النتائج مفتوحة على احتمالاتٍ معاكسة لما يُراد لها.

غير أنّ البعد الأخطر يتمثّل في تفريغ 53 بلدةً جنوبيّة من سكّانها تحت ضغط النار. الفارق هنا جوهري: لسنا أمام دمارٍ فقط، بل أمام إخلاءٍ واسع يُحوّل قرى كاملة إلى نطاقٍ شبه خالٍ من الحياة. حين يجتمع الاغتيال السياسي مع الإفراغ السكاني، يتكوّن مشهدٌ يطرح احتمال فرض واقعٍ أمنيّ جديد بحكم الأمر الواقع، لا عبر إعلان حدودٍ رسميّة، بل عبر خلق حزامٍ مُفرغ يُدار بالنار ويُثبَّت بالخوف.

وفي موازاة ذلك، يتجدّد القصف من الجنوب ويترافق مع إطلاقِ مُسيّراتٍ باتجاه إسرائيل. السماء أصبحت جزءًا أساسيًا من المعادلة. المُسيّرات تمثّل انتقالًا إلى اختبارٍ مباشر لقدرات الردع والتكنولوجيا، وتوسيعًا لهامش الاشتباك من دون مواجهةٍ برّية شاملة. غير أنّها ترفع مستوى الحساسيّة؛ لأنّ أيّ خطأٍ في الحساب قد يدفع نحو ردودٍ أكبر ويُسرّع الانزلاق.

المشهد بمجمله اغتيالات سياسيّة، تفريغ قرى، قصفٌ متبادل، واشتباكٌ جوّي  لا يُشبه جولةً عابرة. إنّه تراكمُ وقائع قد يُفضي إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في لبنان. داخليًا، يتعمّق الانقسام بين من يرى في الردّ ضرورةً لحماية الكرامة ومنع الاستباحة، ومن يخشى حربًا شاملة في ظلّ هشاشةٍ اقتصادية ومؤسساتيّة خطيرة. لكنّ تفريغ هذا العدد من البلدات يضع الجميع أمام سؤالٍ يتجاوز الاصطفافات: هل يتحوّل الإخلاء المؤقّت إلى واقعٍ طويل الأمد؟

لبنان اليوم أمام اختبارٍ سياديّ مزدوج: حماية تمثيله السياسي من منطق الاغتيال، ومنع تحويل جغرافيته إلى مساحةٍ قابلةٍ لإعادة التشكيل كلّما اشتدّ الصراع. المرحلة المقبلة لن تُحسم بالخطاب، بل بقدرة الدولة والقوى الفاعلة على منع تكريس الوقائع تحت ضغط النار. لأنّ ما يجري لا يُغلق ملفًا، بل قد يفتح باب مرحلةٍ أكثر تعقيدًا، حيث تختلط السياسة بالجغرافيا، والسيادة بالخريطة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير