استفاقت الحركة الحقوقية والنسوية في العراق، صباح اليوم الاثنين 2 آذار 2026، على نبأ صادم تمثل في اغتيال الناشطة البارزة ورئيسة منظمة حرية المرأة في العراق، ينار محمد، في عملية غادرة أمام مكان إقامتها بالعاصمة بغداد.
تفاصيل الجريمة
وفقاً لبيان رسمي أصدرته المنظمة، فإن مسلحَين مجهولين يستقلان دراجتين ناريتين فتحا النار على "ينار" في تمام الساعة التاسعة صباحاً لحظة خروجها من منزلها، مما أدى إلى إصابتها بجروح خطيرة. ورغم نقلها الفوري إلى المستشفى ومحاولات الكوادر الطبية لإنقاذ حياتها، إلا أنها فارقت الحياة متأثرة بجراحها البليغة.
مسيرة حافلة بالتحديات
تُعد الراحلة ينار محمد واحدة من أبرز الوجوه النسوية في العراق والشرق الأوسط، حيث نذرت حياتها للدفاع عن النساء المعنفات والناجيات من الاتجار بالبشر. وقد اشتهرت بشجاعتها الاستثنائية في تأسيس "بيوت الأمان"، وهي ملاذات احتضنت مئات النساء الهاربات من القهر والقتل تحت مسمى "غسل العار"، متحديةً بذلك التهديدات المستمرة وحملات التحريض التي لم تتوقف ضدها طوال عقود.
إدانات ومطالبات بالمحاسبة
من جانبها، أدانت منظمة حرية المرأة والمنظمات والشبكات المحلية الأخرى في العراق هذه الجريمة "الإرهابية الجبانة"، واصفةً إياها بالاستهداف المباشر لنضال المرأة وقيم الحرية والمساواة. وطالبت المنظمة السلطات الأمنية بالكشف الفوري عن الجناة والجهات التي تقف خلفهم، محذرة من خطورة استمرار سياسة "الإفلات من العقاب" التي تضع المدافعين عن حقوق الإنسان في مرمى النيران.
مهندسةُ الأمان.. من العمارة إلى النضال
يُذكر أن الراحلة ينار محمد (مواليد بغداد 1960)، كانت مهندسة معمارية تخرجت من جامعة بغداد، إلا أنها اختارت أن تُسخّر رؤيتها الهندسية لبناء "هياكل مجتمعية" تحمي الإنسان بدلاً من تصميم الأبنية الصماء. فمنذ تأسيسها للمنظمة عام 2003، قادت نضالاً شرساً ضد القوانين التمييزية، وحصلت على جوائز دولية رفيعة، من أبرزها جائزة "غروبير" (Gruber) لحقوق المرأة، وجائزة "غينيتا ساغان" (Ginetta Sagan) من منظمة العفو الدولية.
برحيلها، يفقد العراق "مهندسةً" صممت بدمها وعزيمتها مسارات للنجاة لمئات النساء اللواتي وجدن في شجاعتها الملاذ الأخير.
ليس من السهل رثاء امرأة بحجم "وطن"، ولا كتابة كلمات الوداع لمن كانت "صوت من لا صوت لهن". اليوم، فقدت ساحات التحرر ركناً أساسياً، فرحيل الرفيقة العزيزة ينار محمد لا يمثل خسارة لجسدها فحسب، بل هو محاولة لاغتيال حلم جيل كامل من النساء الطامحات للحرية. سيبقى إرثها حياً في كل امرأة استعادت حياتها بفضل "بيوت الأمان"، وفي كل صرخة حق في وجه الظلم.









