في قراءة تحليلية للمشهد السياسي الراهن، كشف المحلل السياسي الفلسطيني محمد مصطفى شاهين، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، عن أبعاد خطيرة تتعلق بديناميكيات الوساطة الدولية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، مشيراً إلى أن ما يسمى بـ "التصنيع التوافقي" بات المحرك الأساسي للنظام الإعلامي العالمي الذي يصيغ الرأي العام بما يخدم مصالح النخب الحاكمة والقوى الإمبريالية.
ويرى شاهين أن انشغال القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، بملفات مشتعلة مثل الحرب في أوكرانيا والتصعيد العسكري المباشر بين واشنطن وطهران، أدى بالضرورة إلى تراجع زخم الجهود الدبلوماسية الموجهة لإنهاء معاناة غزة، حيث تحولت القضية الفلسطينية في أجندة الأمن القومي الأمريكي إلى ملف ثانوى يخضع لمقايضات المصالح الكبرى ولضغوط لوبيات الضغط الصهيوني مثل "أيباك" التي تضمن استمرار الدعم العسكري المطلق للاحتلال الإسرائيلي بمليارات الدولارات سنوياً، بغض النظر عن حجم الانتهاكات الإنسانية المرتكبة.
تشتيت الجهود الدبلوماسية
أوضح شاهين أن هذا الانشغال الدولي المتعمد يمنح سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضوءاً أخضر غير مباشر للاستمرار في سياسات الحصار والقصف الوحشي، تحت ذريعة "الحرب على الإرهاب" أو مواجهة "التهديد الإيراني"، بينما الحقيقة تكمن في استغلال هذه التوترات كغطاء لتنفيذ مخططات التوسع الاستيطاني والإبادة الجماعية الممنهجة.
ورغم هذا القتوم في المشهد الدولي، يؤكد شاهين أن أدوار الوسطاء الإقليميين، وتحديداً قطر ومصر، قد تشهد نوعاً من النشاط الاضطراري المدفوع بالخوف من انفجار الأوضاع وخروجها عن السيطرة، مما قد يهدد الاستقرار الإقليمي برمته. ومع ذلك، يصف شاهين التحركات الأوروبية بأنها "دبلوماسية سطحية" تهدف في جوهرها إلى حماية مصالح الشركات متعددة الجنسيات وتجنب أزمات الطاقة وتدفق اللاجئين، دون امتلاك إرادة حقيقية للضغط على إسرائيل للالتزام بوقف إطلاق نار شامل ومستدام يحترم الحقوق الفلسطينية المشروعة.
جغرافيا النفوذ والمقاومة
انتقل المحلل محمد مصطفى شاهين في حديثه إلى نقطة جوهرية تتعلق بإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط تحت وطأة "الإمبريالية الجديدة"، حيث تعمد الحروب إلى إعادة توزيع القوى لصالح الأطراف المهيمنة، مما يحول قطاع غزة الذي يُعامل كـ "سجن مفتوح" منذ عقود إلى ساحة تجارب للأسلحة والسياسات القمعية.
وشدد شاهين على ضرورة تصحيح الرواية الإعلامية التي يحاول الإعلام الغربي ترويجها، مؤكداً أن المقاومة الفلسطينية، بحركاتها الوطنية والإسلامية مثل حماس، هي رد فعل مشروع وقانوني بموجب المواثيق الدولية على الاحتلال الاستعماري الطويل، وليست "إرهاباً" كما يدعي الاحتلال.
واستشهد شاهين بالتاريخ السياسي للمقاومة التي التزمت مراراً باتفاقات التهدئة والهدن السابقة، في حين كان الاحتلال الإسرائيلي هو الطرف الذي ينكث العهود دائماً، مستخدماً مفهوم "الأمن" كذريعة واهية لقضم المزيد من الأراضي في الضفة الغربية وتعزيز الاستيطان، مما يحول القضية من كفاح وطني من أجل التحرر إلى رهينة في تجاذبات الصراعات الإقليمية الكبرى.
تنامي الوعي العالمي والردع
على الرغم من قسوة الواقع الميداني، يرى شاهين بارقة أمل في التحول التدريجي للرأي العام العالمي، حيث بدأ الإعلام البديل والوعي الشعبي في كشف مظلومية الشعب الفلسطيني، مما أدى إلى تآكل شرعية الحرب الإسرائيلية على الساحة الدولية.
وأشار إلى أن هذا الوعي تعزز من خلال حركات المقاومة السلمية مثل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات، التي وصفها بأنها وسيلة فعالة لمواجهة الغطرسة الاحتلالية وفضح جرائمه أمام أحرار العالم هذا التضامن الشعبي العالمي يمثل اليوم ضغطاً مضاداً للاحتلال الذي يحاول عزل غزة كبؤرة توتر، بينما هي في الواقع قلب معادلة الردع الإقليمي. فالمقاومة الفلسطينية، رغم قلة الإمكانيات، نجحت في تحويل غزة إلى رمز للرفض والمواجهة، وبناء تحالفات إقليمية تضمن صمود الشعب الفلسطيني في وجه محاولات التصفية والتهجير القسري التي يدعمها النظام العالمي المنحاز للاستعمار.
غزة والسيناريوهات القادمة
في ختام تصريحاته لـ "180 تحقيقات"، أكد المحلل محمد مصطفى شاهين أن غزة لم تعد مجرد رقعة جغرافية محاصرة، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الردع الكبرى في المنطقة، حيث يستخدم الاحتلال القصف الوحشي لإرسال رسائل سياسية وعسكرية إلى أطراف إقليمية مثل إيران وسوريا وحزب الله.
ومع دخولنا عام 2026، يتوقع شاهين أن تزداد محاولات الاحتلال لدمج غزة في حروب متعددة الجبهات لتبرير "الحرب الوقائية"، إلا أن الصمود الأسطوري للمقاومة والتزامها بالدفاع عن شعبها يفسد هذه المخططات.
وأكد شاهين إلى أن نكث إسرائيل للقرارات الأممية، مثل قرار 242، يعكس طبيعة هذا الكيان الذي لا يؤمن بالعهود، مما يضع مسؤولية تاريخية على عاتق الوسطاء (قطر ومصر وتركيا) وعلى الشعوب الإسلامية وأحرار العالم، لإسناد الحق الفلسطيني ومنع استفراد الاحتلال بغزة تحت غطاء الأزمات الدولية المتلاحقة.










