تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي انتهاج سياسة التصعيد الميداني في مدن وقرى الضفة الغربية، حيث شنت قوات كبيرة من الجيش فجر اليوم الأربعاء حملة اعتقالات مسعورة طالت 35 مواطنًا فلسطينيًا.
وتركزت هذه الاقتحامات في محافظات الخليل وطوباس ونابلس والقدس المحتلة، حيث تم اقتياد المعتقلين إلى مراكز التحقيق العسكرية التابعة للاحتلال بحجج أمنية واهية تهدف للتضييق على المواطنين.
تأتي هذه الحملة في سياق ممنهج لكسر الإرادة الشعبية في الضفة الغربية، لا سيما مع تزامنها مع أيام شهر رمضان المبارك، حيث تتعمد القوات اقتحام المنازل في أوقات السحر وصلاة الفجر.
وأفاد شهود عيان بأن عمليات الاقتحام تخللها تحطيم لمحتويات المنازل وترهيب للأطفال والنساء، ما يعكس الرغبة في تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم يومي مستمر عبر سياسة المداهمات الليلية المتكررة.
استهداف الصحافة والمحررين
لم تكن هذه الحملة عشوائية، بل حملت في طياتها استهدافًا مباشرًا للكوادر المؤثرة في الشارع الفلسطيني، حيث طالت الاعتقالات صحفيًا كان يغطي الانتهاكات في الميدان.
إن استهداف الصحفيين يهدف بشكل رئيسي إلى حجب الحقيقة ومنع نقل صورة الجرائم المرتكبة بحق المدنيين إلى العالم الخارجي، وهو ما اعتبرته نقابات صحفية وحقوقية انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية التي تكفل حماية العمل الإعلامي.
إلى جانب الصحفيين، ركزت قوات الاحتلال في مداهماتها على فئة الأسرى المحررين، وهي سياسة "الباب الدوار" التي تهدف إلى إبقاء هؤلاء الشباب تحت الرقابة المستمرة والضغط النفسي.
إن إعادة اعتقال من أمضوا سنوات في السجون الإسرائيلية يمثل محاولة لإفراغ الساحة من القيادات المجتمعية والشبابية القادرة على تنظيم الحراك الشعبي الرافض للاحتلال، مما يزيد من حدة التوتر في الشارع الفلسطيني.
انتهاك حرمة شهر رمضان
من الملاحظ أن وتيرة الاعتقالات لم تهدأ مع دخول شهر رمضان، بل على العكس، اتخذت طابعًا أكثر استفزازًا من خلال اختيار توقيتات حساسة تتعلق بالشعائر الدينية.
فقد أشار "مكتب إعلام الأسرى" إلى أن القوات تختار وقت السحور لتنفيذ مداهماتها، وهو ما يؤدي إلى حرمان العائلات من السكينة والأمان، ويعكس استخفافًا تامًا بمكانة الشهر الفضيل لدى ملايين المسلمين في الأراضي الفلسطينية.
هذه الممارسات لا تقتصر على الاعتقال فقط، بل تشمل نصب الحواجز الطيارة وإغلاق مداخل القرى والبلدات، مما يعيق وصول المصلين إلى المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي.
إن سياسة التضييق الديني والاجتماعي تسير جنبًا إلى جنب مع القبضة الأمنية، في محاولة لخلق بيئة طاردة للفلسطينيين من أرضهم، وفرض وقائع ميدانية جديدة تخدم المخططات الاستيطانية المتوسعة في عمق الضفة.
حصيلة الانتهاكات المستمرة
منذ الثامن من أكتوبر لعام 2023، شهدت الضفة الغربية تحولاً جذريًا في طبيعة التعامل العسكري الإسرائيلي، حيث ارتفعت أرقام الشهداء والمعتقلين إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات طويلة.
فقد سجلت المؤسسات الحقوقية استشهاد ما لا يقل عن 1121 فلسطينيًا، وإصابة الآلاف بجروح متفاوتة، بينما تجاوزت حصيلة الاعتقالات حاجز 22 ألف حالة اعتقال، شملت كافة فئات المجتمع من نساء وأطفال وكبار سن.
تترافق هذه الاعتقالات مع عمليات تدمير واسعة للبنية التحتية، حيث تقوم الجرافات العسكرية بتجريف الشوارع وشبكات المياه والكهرباء في المخيمات مثل مخيم نور شمس وجنين.
إن هذا التدمير الممنهج يهدف إلى فرض عقاب جماعي على السكان، وتدفع العائلات ثمنًا باهظًا لتمسكها بأرضها، وسط صمت دولي مطبق لا يتجاوز في أفضل حالاته بيانات التنديد التي لا تسمن ولا تغني من جوع على أرض الواقع.
تداعيات التصعيد الميداني
إن استمرار هذه السياسة القمعية يؤدي بالضرورة إلى انفجار الأوضاع الميدانية، حيث يجد الشباب الفلسطيني نفسه محاصرًا بين فكي الاعتقال أو القتل، مما يزيد من رغبة المقاومة والتصدي لهذه الاقتحامات. ففي كل مدينة وقرية، تندلع مواجهات واشتباكات مسلحة دفاعًا عن البيوت والأعراض، وهو ما يحول الضفة الغربية إلى برميل بارود قابل للانفجار الشامل في أي لحظة، خاصة في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة.
على الصعيد القانوني، تطالب المنظمات الحقوقية بضرورة تدخل المحاكم الدولية لمحاسبة قادة الاحتلال على جرائم الاعتقال التعسفي والتعذيب داخل السجون. إن الظروف التي يعيشها المعتقلون الجدد تتسم بالقسوة والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، حيث يتم زجهم في مراكز اعتقال مكتظة تفتقر للرعاية الصحية، مما يهدد حياة المئات منهم في ظل سياسة الإهمال الطبي المتعمد التي ينتهجها الاحتلال كأداة قتل بطيء.










