قال الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط د. بكير أتاجان، إن مضيق هرمز يمثل اليوم عقدة استراتيجية حساسة تؤثر في توازنات القوة العالمية، مشيرًا إلى أن الأحداث في منطقة الخليج تتجاوز كونها مواجهة بين دولتين لتصبح جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى في النظام الدولي.
وأضاف أتاجان أن السؤال الاستراتيجي المطروح هو ما إذا كان الصراع بين الولايات المتحدة وإيران قد يتطور إلى عملية عسكرية تهدف إلى فرض السيطرة على المضيق من خلال إنزال في بندر عباس وجزيرة قشم، مؤكدًا أن هذا التحليل يأتي من قراءة واقعية للجغرافيا الاستراتيجية وليس من التهويل.
مضيق هرمز: العقدة الاستراتيجية للطاقة العالمية
وأوضح أن مضيق هرمز ليس مجرد طريق ملاحي، بل شريان الطاقة الذي يغذي الاقتصاد العالمي، ويمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية ونسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، مشيرًا إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة فيه قد يؤدي إلى اضطراب حاد في الأسواق العالمية للطاقة، مع انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، خاصة في الدول الصناعية الكبرى.

وأشار أتاجان إلى أن السيطرة على المضيق أو القدرة على تعطيله تمثل ورقة ضغط استراتيجية هائلة في الصراعات الدولية، مؤكدًا أن فرض سيطرة مباشرة على المضيق قد يظهر كخيار في بعض دوائر التخطيط العسكري الأمريكي لضمان أمن الملاحة ومنع أي طرف من استخدام المضيق كورقة ابتزاز جيوسياسي، كما أن ذلك قد يمنح الولايات المتحدة قدرة غير مسبوقة على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية، ويضع قوى اقتصادية كبرى، وفي مقدمتها الصين، أمام معادلات استراتيجية جديدة.
الجغرافيا العسكرية للمضيق: بين الإمكانية والتعقيد
وأفاد الباحث التركي بأن الجانب العملياتي للمضيق يمكن نظريًا عزله عسكريًا عن العمق الإيراني في ظروف معينة، مشيرًا إلى أن بندر عباس وجزيرة قشم تقعان على مسافة تزيد على ألف كيلومتر من العاصمة طهران، وأن أي خطة للسيطرة على المنطقة قد تعتمد على فرض تفوق جوي، وعزل المنطقة عملياتيًا، وتدمير القدرات البحرية الإيرانية، وتنفيذ عملية إنزال محدودة للسيطرة على النقاط الحيوية، لكنه أكد أن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة نظرًا للقدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية وعقيدة الحرب غير المتكافئة.
وأكد أتاجان أن إيران قد تواجه استراتيجيات استنزاف داخلي عبر استغلال التوترات في مناطق متعددة داخل البلاد، بما فيها المناطق الكردية في الشمال، وإقليم بلوشستان في الشرق، وأذربيجان الإيرانية في الشمال الغربي، وإقليم الأهواز العربي في الجنوب الغربي، موضحًا أن هذا قد يضع المؤسسة العسكرية الإيرانية أمام تحديات الانتشار على عدة جبهات داخلية في وقت واحد.
الحرب غير المباشرة: تفكيك الخصم من الداخل
وأشار أيضًا إلى أن السيناريو الأكثر تعقيدًا قد يكون انهيار النظام الإيراني المفاجئ، مؤكدًا أن عدم وجود مشروع سياسي واضح قادر على إدارة مرحلة انتقالية مستقرة يزيد من مخاطر التفكك والفوضى السياسية، وأن هذا قد يؤدي إلى صراع بين الأقاليم والقوى السياسية المختلفة، بما يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
وأوضح الباحث التركي أن إيران تمتلك عدة أدوات لإفشال أي محاولة للسيطرة على المضيق، منها تعطيل الملاحة في المضيق عبر الألغام البحرية أو تسربات النفط، وتعزيز الوجود العسكري وتحويل المنطقة إلى تحصينات دفاعية، وكسر التفوق الجوي للقوات المهاجمة بالحصول على أنظمة دفاع جوي متطورة من قوى كبرى مثل الصين، مؤكداً أن فقدان التفوق الجوي للقوات المعتدية يجعل أي عملية إنزال بري عالية الكلفة وغير مضمونة النتائج.
واختتم أتاجان تصريحه مؤكداً أن مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري ضيق، فهو نقطة التقاء بين الطاقة والاقتصاد والجغرافيا السياسية، وأن أي مواجهة عسكرية واسعة في هذه المنطقة لن تكون مجرد حرب إقليمية بل قد تتحول إلى أزمة دولية تعيد رسم موازين القوة في النظام العالمي، مضيفًا أن السؤال يبقى مفتوحًا حول ما إذا كانت المنطقة ستظل ساحة ردع متبادل أم تتحول إلى نقطة بداية فصل جديد في تاريخ الصراع الدولي.










